رئيس الوزراء يتحدث باسم العراق، لا باسمه الشخصي
محمد الشبوط
في السياسة قد يخطئ المسؤول في تقدير موقف، وقد يختار عبارة دون أخرى، لكن هناك لحظات لا يكون فيها الكلام تعبيراً عن رأيه الشخصي، بل عن الدولة التي يمثلها. ومن هذه اللحظات ما جرى في البيت الأبيض عندما استعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حادثة اغتيال القائد الإيراني قاسم سليماني، واغتيال نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، وسأل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، على نحو يوحي بأن ذلك كان خدمة للعراق.
كان السؤال موجهاً إلى رئيس وزراء العراق، لا إلى علي الزيدي بوصفه فرداً. ولذلك كان الجواب ينبغي أن يصدر من موقع الدولة، لا من موقع الشخص. غير أن رئيس الوزراء أجاب بأنه لم يكن في العمل السياسي آنذاك، وكأن القضية مرتبطة بتاريخ دخوله إلى الحياة السياسية، بينما الحقيقة أن الدولة العراقية لم تبدأ معه، وأن سيادتها لا ترتبط بتاريخ توليه المسؤولية.
هذا الجواب لم يكن موفقاً، لأنه نقل النقاش من مستوى الدولة إلى مستوى السيرة الذاتية. فما قيمة أن يكون رئيس الوزراء داخل السياسة أو خارجها وقت وقوع الحادثة؟ هل تصبح سيادة العراق أقل شأناً لأن رئيس الوزراء الحالي لم يكن يشغل منصباً عاماً في ذلك الوقت؟ وهل تتغير مسؤولية الدولة عن الدفاع عن سيادتها بتغير الأشخاص؟
إن جوهر القضية لا يتعلق بقاسم سليماني ولا بأبي مهدي المهندس. فمن حق العراقيين أن يختلفوا في تقييم الرجلين، وأن تختلف القوى السياسية في مواقفها منهما، لكن هذا ليس موضوع النقاش. الموضوع الحقيقي هو أن عملية عسكرية نفذتها دولة أجنبية على الأراضي العراقية، من دون موافقة الدولة العراقية، وأدت إلى مقتل مسؤول عراقي رسمي، فضلاً عن مقتل مسؤول عسكري إيراني كان موجوداً في العراق. وهذه مسألة تمس سيادة الدولة قبل أن تمس الأشخاص.
ولو أن رئيس الوزراء أجاب من هذا المنطلق، لكان قد عبر عن موقف يحظى باحترام العراقيين جميعاً، مهما اختلفت آراؤهم في الأشخاص المستهدفين. وكان يستطيع أن يقول، بكل هدوء: إن العراق حريص على أفضل العلاقات مع الولايات المتحدة، لكنه لا يستطيع أن يعد انتهاك سيادته خدمةً له، لأن احترام سيادة الدول هو الأساس الذي تقوم عليه العلاقات الدولية.
مثل هذا الجواب لا يحمل عداءً للولايات المتحدة، ولا يسيء إلى الرئيس الأمريكي، ولا يفتح باب أزمة دبلوماسية، ولكنه في الوقت نفسه يحفظ كرامة الدولة العراقية. فالدبلوماسية ليست فن تجنب الحقيقة، وإنما فن قول الحقيقة بأفضل الأساليب الممكنة.
إن رئيس الوزراء، عندما يقف في عاصمة دولة أجنبية، لا يمثل حزبه، ولا كتلته السياسية، ولا تاريخه الشخصي، وإنما يمثل جمهورية العراق. ومن ثم فإن كل كلمة ينطق بها تصبح جزءاً من الموقف الرسمي للدولة، لا مجرد رأي فردي يمكن الاعتذار عنه أو تفسيره لاحقاً.
ولهذا السبب لم يعجبني جواب رئيس الوزراء. ليس لأنني كنت أريد منه أن يدخل في سجال مع الرئيس الأمريكي، أو أن يحول الزيارة إلى مواجهة سياسية، وإنما لأنني كنت أريده أن يؤدي واجبه الدستوري في الدفاع عن سيادة العراق، وأن يذكر، بهدوء واحترام، بأن العراق دولة ذات سيادة، وأن هذه السيادة لا تتبدل بتبدل الحكومات، ولا تسقط بتغير الأشخاص، ولا يجوز أن تكون موضع مجاملة، حتى مع أقرب الحلفاء.
إن الدول تُقاس، في كثير من الأحيان، بالطريقة التي يدافع بها قادتها عن كرامتها في المواقف الصعبة. وقد كانت تلك واحدة من اللحظات التي كان العراق يحتاج فيها إلى صوت يتحدث باسمه، لا باسم صاحبه.
إن الدفاع عن سيادة الدولة لا يعني الدفاع عن الأشخاص، كما أن انتقاد الأشخاص لا يبرر انتهاك سيادة الدولة. فالدولة هي الإطار الذي يحمي الجميع، ومن واجب رئيس الوزراء أن يدافع عن هذا الإطار قبل أي اعتبار آخر. وقد يختلف العراقيون في تقييم قاسم سليماني أو أبي مهدي المهندس، لكنهم ينبغي أن يتفقوا على أن القرار باستخدام القوة داخل العراق يجب أن يكون قراراً عراقياً، وأن احتكار الدولة لاستخدام القوة على أراضيها هو أحد أهم مقومات السيادة والاستقلال. ومن هنا فإن القضية ليست قضية أشخاص، وإنما قضية دولة، وليست قضية الماضي، وإنما قضية المبدأ الذي ينبغي أن يحكم حاضر العراق ومستقبله.