عاد المفكر الاستراتيجي الروسي سيرغي كاراغانوف، أحد أبرز الأصوات الداعية إلى تشديد الردع النووي الروسي، ليرفع سقف التحذير إلى مستوى غير مسبوق.

فكرته باختصار شديدة القسوة: إذا تحوّل الصراع الحالي إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والقوى الأوروبية في الناتو، فقد تبدأ موسكو بضربات تقليدية واسعة، لكن استمرار التصعيد قد يدفعها، بحسب رؤيته، إلى الانتقال نحو

استخدام محدود للسلاح النووي ضد أهداف أوروبية.

هذا الكلام لا يعني أن قراراً نووياً قد اتُخذ في موسكو. كاراغانوف ليس وزيراً ولا قائداً عسكرياً، لكن أهمية كلامه تأتي من أنه جزء من مدرسة فكرية روسية تطالب منذ سنوات بخفض عتبة الردع وإقناع أوروبا بأن الحرب مع روسيا لن تبقى حرباً بعيدة وآمنة على الأراضي الأوكرانية.

الرسالة الاستراتيجية واضحة:

موسكو تريد زرع الشك في عقل صانع القرار الأوروبي: هل تستحق أي مواجهة مباشرة مع روسيا المخاطرة بتحويل برلين أو وارسو أو لندن أو غيرها إلى جزء من ساحة حرب نووية؟

وهنا تظهر أخطر نقطة في عقيدة كاراغانوف: التهديد بالكارثة لمنع الكارثة. أي رفع مستوى الخوف إلى الحد الذي يجبر الخصم على التراجع قبل اندلاع حرب شاملة.

لكن البعد الأرثوذكسي الذي يستحضره كاراغانوف يجعل المسألة أكثر تعقيداً.

المسيحية الأرثوذكسية لا تتعامل مع الحرب بوصفها أمراً مقدساً في ذاته. حتى الوثيقة الاجتماعية الرسمية للكنيسة الأرثوذكسية الروسية تصف الحرب بأنها شر، وتشدد على التناسب في استخدام القوة وعلى حماية المدنيين وعدم تحويل الوطنية إلى مبرر للوسائل غير الأخلاقية.

لذلك فإن قول رجل أرثوذكسي:

أدرك أن الأبرياء والأطفال قد يموتون، وأرى ذلك مرعباً، لكن قد نُدفع إليه، يكشف المأزق الأخلاقي الحقيقي للردع النووي.

في المنظور المسيحي، الانتصار العسكري لا يلغي الخطيئة.

قتل المدني لا يصبح خيراً لأن الدولة تعتبر الحرب ضرورية، ولا يمكن تحويل ملايين البشر إلى أرقام داخل معادلة جيوسياسية.

لكن كاراغانوف ينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة: هو يرى أن عدم تخويف أوروبا الآن قد يقود لاحقاً إلى حرب عالمية أكبر وأكثر دموية. وهنا تكمن خطورة منطقه — فهو يقترح الاقتراب من أبواب الجحيم من أجل إقناع الخصم بأن يتراجع قبل أن تُفتح.

وهذا تحديداً ما يجعل تصريحاته أخطر من مجرد تهديد إعلامي.

نحن أمام معركة إرادات وردع نفسي بين روسيا والناتو، حيث لم يعد السؤال فقط من يمتلك الصواريخ الأكثر تطوراً، بل: من سيصدق أولاً أن الطرف الآخر مستعد فعلاً للضغط على الزر؟

وكلما اقترب الطرفان من إقناع بعضهما بذلك، أصبح الردع أقوى… لكن أصبح الخطأ الواحد أيضاً أكثر قدرة على إشعال حرب لا يمكن التراجع عنها.