سراب «الناتو الإسلامي»: الدعاية الأميركية في مواجهة الواقع الاستراتيجي في مكة

السياق والتصريحات:
في 7 أغسطس/آب 2026، وعقب توقيع اتفاقية الدفاع المشترك في مكة بين السعودية وتركيا وباكستان، قدّم السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز الاتفاق على أنه ائتلاف إقليمي موحّد يتجه لمواجهة إيران. 🇸🇦🇹🇷🇵🇰
وقد ضخّت واشنطن بقوة رواية مشاركة قوى سنّية كبرى، مع التلميح إلى احتمال انضمام القاهرة لاحقاً، باعتبار ذلك انتصاراً لفكرة «تقاسم الأعباء الإقليمية» في مواجهة طهران.
لماذا الآن؟
الأجندة الأميركية
واشنطن حريصة على ترسيخ هذه الرواية لثلاثة أسباب تكتيكية رئيسية:
1️⃣ تخفيف كلفة الأمن عن واشنطن:
في ظل انخراط الولايات المتحدة في صراع عسكري طويل الأمد مع إيران، تريد واشنطن تحميل الأطراف الإقليمية الجزء الأكبر من الأعباء الدفاعية والتداعيات العملياتية للصراع.
2️⃣ تحسين الصورة الدبلوماسية:
تصوير الصراع على أنه «ائتلاف إقليمي واسع في مواجهة إيران» يساعد واشنطن وتل أبيب على تجنّب العزلة الدولية وتحميل المنطقة مسؤولية المواجهة.
3️⃣ إخفاء الإرهاق الاستراتيجي:
الترويج لمحور إقليمي قادر على الاعتماد على نفسه أمنياً يسمح لواشنطن بتبرير خفض انتشارها العسكري تكتيكياً، من دون الاعتراف بوجود فراغ استراتيجي ناجم عن تراجع قدرتها على إدارة المنطقة. ⚠️
النفي والواقع الجيوسياسي: من يقول الحقيقة؟
مباشرة بعد القمة، سارعت الرياض وأنقرة وإسلام آباد، إلى جانب القاهرة، إلى النأي بنفسها عن التوصيف الأميركي المعادي لإيران، مؤكدةً بصورة صريحة أن الاتفاق دفاعي بحت، وأنه لا يستهدف دولة بعينها ولا يهدف إلى تشكيل تكتل طائفي.
جيوسياسياً، تبدو القوى الإقليمية أقرب إلى الحقيقة العملياتية، بينما تبيع واشنطن رواية دعائية. 🎯
تأمين ذاتي لا وكلاء لواشنطن
لم توقّع العواصم الإقليمية اتفاق مكة من أجل خوض حرب واشنطن، بل لأن الثقة بالضمانات الأمنية الأميركية آخذة في التراجع.
فبعد اختبار حدود فعالية الدفاعات الجوية الأميركية ورؤية التداعيات الاقتصادية والاضطرابات التي أصابت الخليج، تتجه هذه الدول إلى التحوّط عبر الاعتماد الجماعي على الذات بدلاً من الارتهان الكامل للمظلة الأميركية. 🌍
تجنّب التورط في الخطوط الأمامية
لا تمتلك تركيا، العضو في حلف الناتو والتي تحاول الحفاظ على توازن علاقاتها مع طهران، أي مصلحة في التحول إلى رأس حربة في مواجهة إيران.
والأمر أكثر وضوحاً بالنسبة إلى باكستان، التي تتشارك حدوداً مباشرة مع إيران؛ إذ لا تبدو إسلام آباد مستعدة للقيام بدور ممتصّ الصدمة في الخطوط الأمامية لمصلحة الأهداف الأميركية ـ الإسرائيلية.
المسافة المحسوبة لمصر
اختارت القاهرة عمداً عدم توقيع الاتفاق الملزم، حفاظاً على هامشها الاستراتيجي وتجنباً للانجرار إلى مرمى النيران في أي مواجهة بين الخليج وإيران.
الخلاصة الاستراتيجية:
رواية مايك والتز تحوّل استراتيجية إقليمية يطغى عليها التحوّط وتقليل المخاطر إلى انتصار استراتيجي أميركي مزعوم.
لكن الواقع أكثر تعقيداً:
القوى الشرق أوسطية والآسيوية تبني طبقة أمنية مستقلة لحماية نفسها واحتواء تداعيات الأخطاء الأميركية، وليس لتكون قوة برية لتنفيذ أوهام تغيير النظام في طهران.
وبالتالي، فإن ما تقدّمه واشنطن باعتباره «ناتو إسلامياً» في مواجهة إيران قد يكون، في جوهره، محاولة إقليمية لتقليل الاعتماد على واشنطن والتحوّط ضد فشل مظلتها الأمنية.