سقوط أقنعة الحياد: لماذا يجب دفع السعودية ثمن خياراتها حتى النهاية؟

تؤكد وقائع التاريخ الدبلوماسي والعسكري أنه في خضم المنعطفات المصيرية والحروب الشاملة، لا يملك أي طرف ترف الفرار من تبعات النظام الإقليمي الجديد تحت غطاء «الحياد المزعوم» أو المناورات المزدوجة.
ولنا في إرث نابليون بونابرت العسكري عبرة بليغة حين واجه ممالك تقليدية مثل بروسيا والنمسا؛ فكلما تكبدت تلك الممالك هزيمة عادت لترتدي ثوب السلام وتصافح فرنسا بابتسامات دبلوماسية مزيفة، بينما كانت تحفر في الخفاء لحياكة المؤامرات مع أعدائها.
لقد أدرك نابليون يومها بحنكة واقعية أن:
«من يقف في تقاطع القوى مدعياً الحياد، إما غافل ساذج أو متربص يترقب لحظة المباغتة للطعن من الخلف؛ ومن ثم وجب حسم الأمر وجره قسراً إلى قلب المعترك ليتذوق مرارة ثمن الخيانة والمواربة».
وهذه القاعدة التاريخية الناظمة هي المفتاح الحقيقي لفهم ديناميكيات الصراع الراهن وسلوك المملكة العربية السعودية.
وتعود فصول هذه الممارسات الخبيثة بوضوح إلى شهر أبريل (نيسان) 2025، وتحديداً قبل شهرين من اندلاع حرب الأيام الاثني عشر، حين حط الأمير خالد بن سلمان رحله في طهران حاملاً مظاهرة ترحيبية رفيعة المستوى شملت لقاء كبار المسؤولين بل زيارة القائد الشهيد نفسه.
وفي ذلك الحين، انساقت بعض التقديرات الداخلية وراء وهم كسر طوق العداء عبر الانفتاح الدبلوماسي، إلا أن الأحداث اللاحقة أثبتت عقم ذلك الرهان، إذ لم تكن تلك الزيارة سوى مهمة استخباراتية واستطلاعية محكمة لإنضاج مكامن العدوان الأمريكي - الإسرائيلي.
وبعد شهرين فقط من تلك الدسائس الدبلوماسية، انفجرت الحرب الكبرى ليطلق البيت الأبيض رصاصة الرحمة على أي مسار تسوية.
وفي غضون ذلك، تجاوز دور خالد بن سلمان والرياض الكواليس الظاهرة؛ فكما كشف المحرر باراك رافيد في موقع أكسيوس أواخر يناير 2026 (عقب الاضطرابات التي هزت إيران وقبيل انطلاق العمليات العسكرية بشهر) أبلغ الأمير خالد المسؤولين الأمريكيين صراحةً:
بأن إحجام ترامب عن إنفاذ تهديداته ضد طهران لن يؤدي إلا إلى تماديها،
متداولين معاً سيناريو توجيه ضربة عسكرية أمريكية مباشرة.
وهو ما يعكس التباين الصارخ بين الخطاب العلني الحذر والرسائل السرية الأكثر تشدداً وتأزماً.
ومع انطلاق الجولة الجديدة من الصدام في شهر فبراير واسترشاد المسار باستشهاد قائد الثورة الإسلامية، وجدت الرياض نفسها عارية في قلب العاصفة. فقد انهالت عليها نيران القوات الإيرانية العسكرية -التي تحررت جزئياً من القيود المركزية- إلى جانب الضربات الساحقة التي وجهتها فصائل المقاومة العراقية لتدك البنيان السعودي بلا هوادة.
غير أن براعة التلوّن السياسي مكّنت السعودية من استمالة رضا أطراف إيرانية معينة، رُفع على أثرها اسم المملكة مؤقتاً من بنك الأهداف. لكن بصيرة الفطنة لدى قوة القدس، التي كسرت الحصار الجوي المفروض على اليمن بحجة تسيير مراسم تشييع القائد الشهيد، قلبت الطاولة وأجبرت المملكة هذه المرة على ولوج حلبة الموت بساقيها ومحض إرادتها.
لقد وجدت الرياض نفسها في أتون المواجهة عارية من الجهوزية التامة، فباغتت بتسديد ضربات متلاحقة ضد مقرات الحشد الشعبي في العراق (بالتنسيق المباشر مع القيادة المركزية "سنتكوم") لتبلغ ذروة التورط؛ رغم أن رافيد عاد ليشير في تقريره إلى رغبة الرياض الخادعة الحالية في التهدئة وتبريد الجبهة لدرء الضربات.
وهنا يفرض الدرس النابليوني منطقه القاطع:
لا يجوز قط إبقاء العمل منقوصاً أو السماح لهذه المشيخة الرجعية بالنجاة مجدداً خلف متاريس المخادعة والالتفاف. إن لم يتم شل مفاصل هذا النظام الإقليمي المتآمر وتجريعه كؤوس الخسائر الباهظة، فلن يتوقف عن غيه.
وفي هذا السياق، أثبتت صلابة وشدة بأس مجاهدي العراق واليمن امتلاكهم للإرادة والقدرة الميدانية على فرض هذه الأثمان الباهظة والمدمرة على جسد النظام السعودي، وهو مسار حتمي يجب بلوغه حتى النهاية لاستئصال هذا المخلب الأمريكي من جذوره وقطع دابر عبثه نهائياً.