الواقع على الأرض

بينما تقدم واشنطن رفع التصنيف كمسار نحو التعافي الاقتصادي لسوريا، تواصل منظمات حقوق الإنسان والجهات الرقابية المستقلة الإبلاغ عن اتهامات خطيرة بالعنف والاضطهاد الطائفي.

• مجازر جماعية: وثّقت جهات حقوقية مقتل أعداد كبيرة من المدنيين منذ سقوط حكومة الأسد. وقد أثار العنف على طول الساحل السوري في مارس/آذار 2025، لا سيما ضد أبناء الطائفة العلوية، قلقًا دوليًا، مع تقارير عن عمليات إعدام وانتهاكات واسعة النطاق.

• الأقليات تحت الضغط: يواجه العلويون والمسيحيون والدروز مخاوف مستمرة تتعلق بالعنف والتهجير والترهيب والهجمات على مجتمعاتهم، مع اختلاف طبيعة وحجم الانتهاكات من منطقة إلى أخرى.

• الاحتجاز والتعذيب: تواصل منظمات حقوقية الإبلاغ عن احتجاز تعسفي، واختفاء قسري، وتعذيب، وغيرها من الانتهاكات التي تطال محتجزين لدى الفصائل المسلحة والهياكل الأمنية.

• دمار اقتصادي: لا يزال ملايين السوريين يعتمدون على المساعدات الإنسانية، بينما تعاني البلاد من الفقر والتضخم والنقص ودمار واسع في البنية التحتية.

وهنا يجب التوقف عند نقطة أساسية:

رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يعني أن سوريا أصبحت دولة طبيعية.

فالقرار يمثل تغييرًا قانونيًا وسياسيًا واقتصاديًا مهمًا، لكنه لا يحول دولة خارجة من حرب طويلة إلى دولة مستقرة بين ليلة وضحاها.

سوريا لا تزال تعاني من ضعف المؤسسات، وانتشار السلاح، وانقسامات اجتماعية وطائفية عميقة، وأزمات اقتصادية وإنسانية، وملفات مفتوحة تتعلق بالانتهاكات والمحاسبة وحماية الأقليات.

بل إن المفارقة أن واشنطن تستطيع في الوقت نفسه أن تطبع علاقتها مع دمشق وأن تعتبر البيئة السورية غير آمنة لمواطنيها؛ فرفع التصنيف لا يعني انتهاء المخاطر الأمنية ولا إغلاق ملفات الإرهاب وحقوق الإنسان.

لذلك يجب التفريق بين تطبيع العلاقة مع السلطة السورية الجديدة، وتطبيع سوريا نفسها كدولة.

الأول بدأ بالفعل.

أما الثاني، فما زال يحتاج إلى سنوات من بناء المؤسسات، واحتكار الدولة للسلاح، وترسيخ سيادة القانون، وحماية جميع المواطنين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

المسألة اللبنانية

قد تمتد التداعيات إلى ما هو أبعد من الحدود السورية.

ربط الرئيس ترامب علنًا انخراط واشنطن مع دمشق بمطالبة الشرع بمواجهة حزب الله وشبكته الإقليمية.

وهذا يطرح سؤالًا استراتيجيًا أوسع نطاقًا:

ماذا يحدث عندما تُمنح منظمة جهادية سابقة، حظيت حديثًا بشرعية دولية، دورًا أمنيًا أكبر على طول الحدود مع لبنان؟

بالنسبة للطائفتين الشيعية والمسيحية في لبنان، فإن هذا الاحتمال حساس بشكل خاص.

فأي محاولة من دمشق لإسقاط قوة عسكرية أو أمنية داخل لبنان يمكن أن تحوّل التوترات القائمة إلى مواجهة طائفية وإقليمية أوسع بكثير.

المفارقة الاستراتيجية

ترى واشنطن أن شطب سوريا من إطار الإرهاب سيسهل التطبيع الاقتصادي وإعادة الإعمار والاستقرار الإقليمي.

لكن منح الشرعية يحمل تداعياته.

الولايات المتحدة تراهن فعليًا على أن الاندماج السياسي يمكن أن يحوّل حركة متمردة سابقة إلى فاعل دولة مسؤول.

هذه هي التجربة الجارية حاليًا.

لكن الشرعية الدولية تمنح السلطة الجديدة أيضًا الموارد الاقتصادية والاعتراف الدبلوماسي والقدرات الأمنية، وهو ما قد يتيح لها توسيع نفوذها خارج الحدود السورية.

وهنا يكمن السؤال الأخطر:

هل سيؤدي الاعتراف الدولي إلى اعتدال قادة سوريا الجدد وبناء دولة مؤسسات، أم سيمنحهم القوة اللازمة لإعادة إنتاج نفوذهم بأدوات جديدة؟

واشنطن تسميه تطبيعًا.

دمشق تسميه بداية جديدة.

لكن بالنسبة للبنان، قد يكون السؤال أخطر بكثير.

فالمسألة لم تعد فقط: هل ستصبح سوريا مستقرة؟

بل: ماذا ستفعل سوريا الجديدة عندما تصبح أكثر قوة وشرعية وانفتاحًا على العالم؟

هل ستكون هذه بداية استقرار سوري حقيقي، أم بداية مرحلة جديدة من التنافس والنفوذ والتهديدات الأمنية في المنطقة؟

فالولايات المتحدة لم تمنح سوريا شهادة بأنها أصبحت دولة طبيعية؛ لقد غيّرت فقط طريقة تعاملها معها.

والفارق بين الأمرين كبير جدًا.