#️⃣`الجزء الثاني `

فشل الوزارة في بناء بنية تحتية: 14 سنة من الغياب

المفارقة الأقسى أن وزارة النقل، التي تديرها بدر لثماني سنوات، لم تُنتج أسطولاً وطنياً للطيران المدني، ولا بنية تحتية مستقلة لخدمات المناولة الأرضية.

وحتى مشروع تطوير مطار بغداد، الذي أُقرّ في 2025 بـ764 مليون دولار، يُنفَّذ عبر ائتلاف شركات أجنبية (كوربروسيون أمريكا للطيران وأمواج العالمية)، وليس عبر قدرات وطنية. الوزارة تدير الأرض والترخيص، لا التشغيل.

أزمة الناقلات: وجه آخر للفشل نفسه

هذا الفشل لا يقتصر على الطيران المدني. في ملف تصدير النفط عبر مضيق هرمز، كشفت النائبة هيام الياسري عن خلاف بين وزارتي النفط والنقل حال دون تفعيل الأسطول البحري العراقي، رغم توفر "الإمكانات الفنية والموافقات الأمنية اللازمة".

شركة "سومو" رفضت إسناد مهمة نقل الخام إلى الناقلات العراقية التابعة لوزارة النقل، واتُهمت بـ"شبهات فساد وهيمنة على ملف النقل النفطي".

النتيجة: العراق يخسر مليارات الدولارات سنوياً لأنه لا يملك ناقلات وطنية، ووزارة النقل — التي تمتلك الشركة الوطنية للنقل البحري — عاجزة عن فرض دورها.

من "إشارة الإصبع" إلى "الانسحاب من القاعة": لبنان والعراق

المناسبة التي أطلق فيها العامري تصريحاته ليست عابرة. استشهاد السيد حسن نصر الله في لبنان، واغتيال أبو مهدي المهندس في العراق، مثّلا ضربة قاصمة لبنية القيادة في محور المقاومة.

فـالمهندس لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان العقل التنظيمي الذي يربط الفصائل بالدولة، ويترجم الخطاب التعبوي إلى قرارات ملموسة. برحيله، فقد العراق آلية القرار، لا مجرد شخص.

وفي لبنان، يكتمل المشهد حين نضعه إلى جانب نظيره العراقي.

في بيروت، منح البرلمان الثقة لحكومة نواف سلام بـ68 صوتاً مقابل 12، لكن اللافت لم يكن الأرقام، بل ما جرى داخل الثنائي الشيعي نفسه. نواب كتلة "الوفاء للمقاومة" (حزب الله) انسحبوا من القاعة قبل التصويت مباشرة، فلم يمنحوا الثقة ولم يحجبوها.

هذا الشرخ ليس تفصيلاً إجرائياً. إنه مقياس دقيق لفقدان "إشارة الإصبع".

في زمن السيد حسن نصر الله، لم يكن أحد يتصور أن يمر تشكيل حكومة أو منح ثقة دون موافقته؛ كان السيد نصر الله يعلن صراحة أن "الحزب لن يقبل إلا بحكومة" بشروطه، وأنه "يجب أن نكون بالحكومة لحماية ظهر المقاومة".

واليوم، لا يستطيع حزب الله لا إسقاط الحكومة ولا منع منحها الثقة، ولا حتى إقناع حليفه التقليدي "أمل" بالانسحاب معه. فاختار الانسحاب "لحفظ ماء الوجه".

وفي بغداد، المنطق نفسه يتكرر بصيغة أخرى. في زمن أبي مهدي المهندس، كان الرجل "لولب التوافق بين الأطياف العراقية كافة"، وهو الذي كان يدير التنسيق بين الفصائل والحكومة بحيث لا تخرج الخلافات الداخلية عن السيطرة.

برحيله، لم يفقد العراق قائداً فحسب، بل فقد آلية القرار التي كانت تحوّل التشرذم إلى توافق قابل للتنفيذ.

واليوم، الإطار التنسيقي — الذي يضم أغلبية برلمانية ووزارات ونفوذاً — لا يستطيع انتخاب رئيس وزراء بعد الفيتو الأمريكي، ولا فرض قرار سيادي في ملف الأجواء، ولا حسم ملف حصر السلاح الذي تحوّل إلى مفاوضات مفتوحة.

خلاصة: القيادة لا تُقاس بالخطابة

الفرق بين مرحلة القادة المؤسسين ومن جاء بعدهم واضح:

الأولى كانت تصنع القرار وتتحمل نتائجه، الثانية تنتظر أن يُصنع لها القرار، وتفضل الخطاب الآمن.

من يملك وزارة النقل لا يستطيع منع قرار واحد يتعلق بالسيادة، ومن يرفع شعار "السيادة الكاملة" يترك ملفاً سيادياً بحجم الأجواء يُدار عبر شركات أجنبية.

والنتيجة واحدة في الساحتين: من يملك الأغلبية لا يملك القرار، ومن يملك الوزارات لا يملك الأدوات.

كلاهما لا يخون ولا يقاوم، لأنهما لم يعودا يملكان المرجعية التي تحوّل الخطاب إلى فعل. وما تبقى هو المشهد نفسه يتكرر: إدانة، ثم انسحاب، ثم انتظار.