حين استُخدم مصطلح «حلف بغداد» (سنتو) في منتصف القرن الماضي، لم يكن مجرد ترتيب عسكري عابر، بل وُضع كجدار صدّ استراتيجي لمنع تمدد القوة السوفيتية ودول المعسكر الشرقي، وتثبيت نفوذ الحلفاء الغربيين في المنطقة.

اليوم، تبدو الصورة وكأن التاريخ يعيد نفسه بأدوات العصر؛ إذ يبرز على الطاولة السياسية إقليمياً تحالف جديد أعاد وزير الخارجية التركي، هاكان فیدان، إحياء رمزيته وتسميته بـ «حلف مكة».

لم يكن اختيار فیدان لمصطلح «حلف» (Alliance) عفوياً أو مجرد توصيف دبلوماسي بروتوكولي، بل هو استدعاء مقصود لمدلولات الأحلاف الكلاسيكية الكبرى، في رسالة تؤكد على وجود التزامات دفاعية واضحة وجاهزية إقليمية عالية. وفي هذا السياق، حرص فیدان على تأكيد أن هذا التكتل يمثل مكملاً استراتيجياً لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مما يربط الأمن الإقليمي للمنطقة بالمظلة الأمنية الغربية الأوسع.

الجامع المشترك بين الهيكلين – القديم والحديث – يظهر جلياً في تبني مبدأ الدفاع الجماعي؛ تماماً كما تنص المادة الخامسة من ميثاق الناتو (التي فُعلت مرة واحدة تاريخياً وانتهت باحتلال أفغانستان)؛ يحمل «حلف مكة» بنداً جوهرياً يعتبر أي هجوم على دولة عضو هجوماً على الأعضاء كافة.

وخلف هذه الهندسة الأمنية والعسكرية، تكمن الغاية الاستراتيجية الكبرى التي لا يمكن قراءة الحلف بمعزل عنها؛ فهدف واشنطن وعواصم الإقليم من هذا الطوق الدفاعي يظل محاصرة وعزل إيران، وإعادة هندسة جغرافيا المنطقة السياسية لتقويض نفوذ محور المقاومة، تماماً كما كان «سنتو» أداة لاحتواء الاتحاد السوفيتي سابقاً.