ما يحدث في بريطانيا لا ينبغي اختزاله في كونه مجرد أزمة محلية في أسعار الوقود. بل هو أحد أوضح المؤشرات حتى الآن على أن اضطراب شرايين الطاقة العالمية بدأ يصل مباشرة إلى حياة الأسر العادية.

بلغ متوسط سعر الديزل في بريطانيا الآن 199.18 بنسًا للتر الواحد — وهو أعلى متوسط يُسجَّل على الإطلاق — فيما ارتفع سعر البنزين إلى 174.13 بنسًا. وبات ملء خزان سيارة عائلية عادية تعمل بالديزل يكلّف قرابة 110 جنيهات إسترلينية.

وتتضمن خطط الطوارئ البريطانية إجراءات قد تُستخدم في حال حدوث نقص حاد، من بينها تحديد كمية الوقود التي يُسمح للسائقين بشرائها، وإعطاء الأولوية لخدمات الطوارئ وسلاسل الإمداد الأساسية، وفرض قيود على عمل محطات الوقود. كما عادت تقارير للحديث عن إمكانية فرض حدّ سرعة مؤقت على مستوى البلاد يبلغ 50 ميلاً في الساعة بهدف خفض استهلاك الوقود.

ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الإجراءات لم تُفعَّل رسميًا حتى الآن، وإنما لا تزال ضمن خيارات الطوارئ المطروحة.

وفي الوقت نفسه، تستعد روسيا — وهي من أكبر موردي الديزل في العالم — لتمديد القيود المفروضة على صادرات الديزل حتى نهاية أكتوبر، في محاولة لحماية سوقها المحلية. وهذا يعني سحب المزيد من الإمدادات من سوق عالمية تعاني أصلًا من ضيق شديد.

وهنا تبدأ الصورة الجيوسياسية الأوسع في التحول إلى مصدر خطر حقيقي.

فـمضيق هرمز، الذي كان تاريخيًا يمر عبره ما يقارب خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا، لا يزال يشهد اضطرابات شديدة بسبب الصراع مع إيران، فيما تراجعت حركة الملاحة إلى مستويات أدنى بكثير من المعتاد رغم استمرار عبور بعض السفن.

وفي الوقت نفسه، يتعرض باب المندب لضغوط عسكرية استثنائية في أعقاب تقدم الحوثيين حول المضيق.

ولذلك، ربما يكون الوصف الأدق هو أن هذين الممرين اختنقا وتحوّلا إلى ساحتي ضغط عسكري، وليس أنهما أُغلقا بشكل كامل. لكن اقتصاديًا، حتى التعطيل الجزئي وحده قادر على تغيير الأسعار جذريًا.

والديزل لا يتعلق فقط بسيارات العائلات.

فهو يحرك الشاحنات والسفن والآليات الزراعية ومعدات البناء وجزءًا كبيرًا من الصناعات الثقيلة. وعندما ترتفع أسعار الديزل بشكل حاد، ترتفع معها تكلفة نقل كل شيء تقريبًا.

تصبح عمليات توصيل السلع إلى المتاجر أكثر كلفة. ويدفع المزارعون أكثر لإنتاج الغذاء. وتواجه المصانع وشركات البناء ارتفاعًا في تكاليف التشغيل. وترتفع تكاليف الشحن والتأمين. كما تتأثر شركات الطيران وقطاعات النقل الأخرى بصورة غير مباشرة عبر ارتفاع أسعار سوق المشتقات النفطية عمومًا.

وفي النهاية، تصل هذه التكاليف كلها إلى المستهلك.

طاقة أغلى ⬅️ نقل أغلى ⬅️ غذاء وسلع أغلى ⬅️تضخم أعلى.

وعندما يتحول التضخم إلى مشكلة مستمرة، تواجه البنوك المركزية مشكلة أخرى: أسعار فائدة أعلى.

وقد بدأ مسؤولون في بنك إنجلترا بالفعل التحذير من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يجعل من الصعب إبقاء أسعار الفائدة من دون تغيير.

وهذا يعني أن صدمة الطاقة قد تنتقل لاحقًا إلى القروض العقارية، وقروض الشركات، وحتى تكلفة اقتراض الحكومات.

ولهذا قد تكون أزمة الديزل الحالية أخطر بكثير من مجرد الرقم الظاهر على لوحة الأسعار في محطة الوقود.

وبحسب وكالة رويترز، تراجعت مخزونات الديزل العالمية إلى مستويات منخفضة استثنائية، فيما قد تستمر حالة شح الإمدادات حتى عام 2027.

لقد شهد التاريخ هذه الآلية من قبل.

فأزمات الطاقة في سبعينيات القرن الماضي أثبتت أنه عندما تتعرض إمدادات الطاقة لقيود مفاجئة، فإن الضرر لا يبقى محصورًا داخل سوق النفط.

بل ينتقل إلى النقل والصناعة والتضخم والسياسة النقدية، وفي النهاية إلى النمو الاقتصادي نفسه.

وما يجعل الوضع الحالي أكثر خطورة هو ظهور عدة نقاط ضغط في الوقت نفسه:

اضطراب طرق الطاقة في الشرق الأوسط، وتضرر قدرات التكرير، والقيود الروسية على التصدير، إلى جانب اتجاه متزايد لدى الحكومات نحو اتخاذ إجراءات تهدف إلى إبقاء الإمدادات النادرة داخل أسواقها المحلية.

ولذلك، لم تعد المشكلة ببساطة هي أن النفط أصبح غاليًا.

المشكلة هي أننا قد نتجه نحو عالم تبدأ فيه الدول الكبرى بالمنافسة على تأمين الإمدادات الفعلية من الطاقة، وتقييد صادراتها، وحماية أسواقها الداخلية — بينما تُجبر الدول المعتمدة على الاستيراد على دفع السعر الذي تفرضه السوق مهما ارتفع.

وحين تبدأ الحكومات فعليًا بمناقشة تقنين الوقود، واستخدام الاحتياطيات الاستراتيجية، وفرض قيود على الاستهلاك، فهذا يعني أن أزمة الطاقة دخلت مرحلة مختلفة تمامًا.