في مثل هذا اليوم قبل عامين، اهتزّت بيروت أمام واحدة من أكثر عمليات الاغتيال تأثيراً في التاريخ الحديث للمنطقة.
بعد السادسة مساءً بقليل، يوم الجمعة 27 أيلول 2024، استهدفت غارة إسرائيلية ضخمة مجمّعاً قيادياً تحت الأرض تابعاً لحزب الله، أسفل مبانٍ سكنية في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت.
كان الهدف السيد حسن نصرالله، الأمين العام لحزب الله، وأحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية تأثيراً في الشرق الأوسط.
وأعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذه العملية لاستهداف القيادة المركزية لحزب الله، فيما أكد حزب الله استشهاد نصرالله في اليوم التالي.
واستشهد معه عدد من الشخصيات القيادية، بينهم العميد عباس نيلفروشان، أحد كبار قادة الحرس الثوري الإيراني، وعلي كركي، أحد كبار القادة العسكريين في حزب الله.
32 عاماً في القيادة
تولّى نصرالله قيادة حزب الله منذ عام 1992، خلفاً للسيد عباس الموسوي، الذي اغتالته إسرائيل بدوره.
وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، بقي نصرالله في قلب التحولات الكبرى التي شهدها حزب الله.
وخلال فترة قيادته، تطوّر التنظيم من حركة مسلّحة لبنانية إلى فاعل سياسي وعسكري قوي امتد تأثيره إلى ما هو أبعد من لبنان.
تحوّلت خطاباته إلى أحداث يتابعها الإقليم بأسره. وأصبحت صورته مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بهوية حزب الله. ومع تصاعد محاولات إسرائيل تحديد موقعه واستهدافه، أصبحت الإجراءات الأمنية المحيطة به أكثر تشدداً.
وعلى مدى سنوات، عاش بعيداً عن الظهور العلني، متواصلاً مع مؤيديه وخصومه من خلال إطلالات وخطابات مدروسة ومحكومة بإجراءات أمنية مشددة.
اليوم الذي غيّر المنطقة
ثم جاء 27 أيلول.
فالانفجار الهائل الذي ضرب حارة حريك لم يدمّر مجمّعاً محصّناً تحت الأرض فحسب.
لقد أنهى حياة رجل أمضى 32 عاماً في قيادة حزب الله، وفتح فصلاً جديداً بالغ التعقيد وعدم اليقين أمام لبنان والمنطقة.
وأعقب اغتياله تصعيد كبير في المواجهة، مع تكثيف العمليات العسكرية الإسرائيلية في أنحاء لبنان، وحدوث تحول كبير في البيئة الاستراتيجية الإقليمية.
بعد عامين
اليوم، يستذكره أنصاره ليس فقط بوصفه قائداً سياسياً، بل رجلاً جسّد، في نظرهم، المقاومة والتضحية والصمود.
وبالنسبة إلى مؤيديه، كان السيد حسن نصرالله قائداً بقي في طليعة مواجهة امتدت لعقود مع إسرائيل، وتحول إلى رمز للمقاومة تجاوز حضوره حدود لبنان.
أما خصومه، فكان بالنسبة إليهم قائد منظمة مسلحة لعبت دوراً محورياً في الصراعات اللبنانية والحروب الإقليمية الأوسع.
لكن، بعيداً عن اختلاف القراءات السياسية، فإن رحيله مثّل نهاية حقبة.
بعد عامين، صوته غاب.
لكن خطاباته بقيت.
وصورته بقيت.
وإرثه بقي حاضراً، موضع نقاش وجدل، ومتجذراً بعمق في تاريخ لبنان والشرق الأوسط.
عامان مرّا.
لكن بالنسبة إلى من ساروا خلفه، فإن 27 أيلول ليس مجرد ذكرى رحيل رجل.
إنه ذكرى اليوم الذي فقدوا فيه سيّدهم.
رحم الله السيد حسن نصرالله، ولتبقَ ذكراه خالدة في قلوب من أحبّوه.

