تشير الضربات العسكرية الإيرانية الأخيرة إلى تغيير واضح في النهج الإيراني: الضرب أولاً، تعطيل الاستعدادات الأميركية، ومنع واشنطن من امتلاك زمام المبادرة.

تقول قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني إنها أطلقت صواريخ باليستية مضادة للسفن باتجاه مدمرتين أميركيتين من طراز «أرلي بيرك»، هما USS John P. Jones وUSS Delbert D. Black، مؤكدة أن كلتيهما تعرضتا لأضرار جسيمة.

وتمثل هذه الضربات، وفق التقارير، تصعيداً كبيراً. لكن إصابة صاروخ لسفينة حربية لا تعني بالضرورة تعطيلها؛ فالسؤال الأساسي هو ما إذا كانت الأضرار كافية للتأثير في قدرتها على مواصلة العمليات.

ومن المؤشرات المبكرة التي يجب مراقبتها كيفية تموضع القوات البحرية الأميركية حول مضيق هرمز. فإذا ابتعدت السفن عالية القيمة ومجموعات حاملات الطائرات، ولا سيما باتجاه المحيط الهندي، فقد يشير ذلك إلى أن حسابات واشنطن للمخاطر قد تغيرت.

الأردن: إيران تقول إنها ضربت أولاً

تصف إيران أيضاً هجومها الليلي على مواقع أميركية في الأردن بأنه ضربة استباقية.

وبحسب بيانات عسكرية إيرانية، رصدت الاستخبارات الإيرانية طائرات أميركية للتزوّد بالوقود وطائرات استطلاع تعمل في أجواء المنطقة قبل ساعات من الهجوم. وتقول طهران إنها راقبت هذه التحركات ووجهت ضربتها قبل أن تتمكن الولايات المتحدة من بدء عملية هجومية.

وسواء تم تأكيد جميع تفاصيل هذه الرواية أم لا، فإن الاستراتيجية واضحة: إيران تريد الانتقال من امتصاص الضربات إلى تعطيلها قبل أن تبدأ.

ويقول مسؤولون إيرانيون إنه تم إطلاق نحو 50 صاروخاً باليستياً متخصصاً في عملية مركزة واحدة. كما يزعمون أن صواريخ باليستية فرط صوتية مزودة برؤوس حربية عنقودية استهدفت قاعدة موفق السلطي الجوية، وقاعدة الأمير حسن الجوية ومنشآت أخرى، مع إصابة ما لا يقل عن ثلاث قواعد رئيسية.

وقد وصفت بعض التقارير الغربية العملية بأنها أكبر هجوم إيراني من نوعه منذ أيار/مايو.

مشكلة الدفاع الجوي

قد يكون عدد الصواريخ التي تم اعتراضها أقل أهمية من تكلفة اعتراضها.

وتزعم روايات إيرانية أن القوات الأميركية أطلقت في البداية نحو 40–50 صاروخاً اعتراضياً من طراز باتريوت، قبل أن يرتفع العدد إلى نحو 120 صاروخاً مع استمرار الهجوم.

وإذا كانت هذه الأرقام دقيقة إلى حد كبير، فهي تكشف المشكلة الأساسية في هجمات الإغراق الصاروخي: المدافع يمتلك عدداً محدوداً من الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن، بينما يستطيع المهاجم إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ.

وعندما تأتي الصواريخ من اتجاهات مختلفة وتسلك مسارات متنوعة، تضطر الدفاعات الجوية إلى تحديد التهديدات التي يجب اعتراضها وتلك التي يمكن تركها تمر.

هدف إيران: تقييد حرية التحرك الأميركية

لا تحتاج إيران إلى تدمير كل قاعدة أو سفينة حربية أميركية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

يمكن أن يكون هدفها أبسط: جعل العمليات الأميركية أكثر صعوبة وأكثر كلفة.

فالضربات الصاروخية يمكن أن تجبر القادة الأميركيين على نقل الطائرات والسفن، وتعزيز دفاعات القواعد، واستهلاك المزيد من الصواريخ الاعتراضية، وإنفاق موارد إضافية لحماية قواتهم.

لذلك، لا تدور المعركة فقط حول من يمتلك أسلحة أكثر، بل حول من يستطيع مواصلة العمل تحت الضغط لفترة أطول.

وتستطيع إيران استخدام كثافة الصواريخ، وتوزيع منصات الإطلاق، وجمع المعلومات الاستخبارية لتحدي التفوق الجوي والبحري الأميركي. وفي المقابل، يتعين على واشنطن الحفاظ على وجودها الإقليمي من دون أن تستهلك متطلبات الدفاع جزءاً كبيراً من قدراتها العسكرية.

الاختبار الاستراتيجي يبدأ الآن

القضية الأهم هي كيفية رد واشنطن.

فهدف إيران ليس بالضرورة تدمير القوات الأميركية، بل حرمان واشنطن من حرية استخدام تفوقها العسكري من دون دفع ثمن متزايد.

وبالتالي، فإن المعركة الناشئة تدور حول الاستخبارات، والإغراق الصاروخي، والدفاعات الجوية والقدرة على الصمود.