محمد أصغري
كلما عجزت قوة مهيمنة في ميدان الصراع الصلب عن تحطيم شبكة رافضة للنظام القائم، فإنها تسعى إلى تحويل مركز قيادة تلك الشبكة، خلف طاولة الدبلوماسية، إلى شريك في إدارة الأزمة.
هذه الأيام، الحركات الدبلوماسية، والرسائل المتبادلة في عواصم المنطقة، وطريقة تعاطي بعض أوساط صنع القرار الداخلية مع ملفات محور المقاومة، دقّت ناقوس الخطر لهذا الفخ المعقد.
تشير المؤشرات القائمة إلى أن غرفة تفكير واشنطن وحلفاءها الإقليميين يسعون إلى فرض دور الوسيط والكابح لمحور المقاومة على طهران.
المطلوب النهائي لأمريكا في الظروف الراهنة هو تحويل إيران إلى ضامن للاستقرار والنظام في المنطقة؛ لكن أي نظام؟ نظام لا تزال بنيته وقواعده ومعماره الأمني أمريكية من الأساس.🔴
يبدأ الخطر تحديداً من النقطة التي يحسب فيها تيار التطبيع في إيران أن هذه المراجعات الإقليمية لكبح المقاومة هي اعتراف رسمي بقوة إيران العظمى، فيرتكب خطأً حسابياً ويدخل ملعب العدو.
ثمة خط رفيع بين قوة منظِّمة للنظام وبين وكيل لإدارة الأزمة/التحكم بها. فعندما يأتي الوسطاء إلى طهران ليقنعوا، عبر النفوذ المعنوي والاستراتيجي الإيراني، أنصار الله في اليمن بالصلح مع السعودية، أو يهدّئوا فصائل المقاومة العراقية، أو يلزموا حزب الله بوقف إطلاق النار في إطار تفاهم إسلام آباد المثقل بالخسائر، فإن هدفهم ليس تكريم مكانة إيران؛ بل تحميل طهران عبء احتواء المحور.
يريد العدو أن يدفع تكلفة ترويض المحور من جيب اعتبار إيران.
إن رضا تيار التسوية من أن مفتاح حل الأزمات في يد طهران نابع من خطأ حسابي. في هذه الهندسة، المطلوب أن تنفق إيران، بدل استخدام رافعة المقاومة لتقويض أسس النظام الأمريكي، رأسمالها الرمزي ونفوذها لتأمين أمن شرايين الطاقة والتجارة والخطوط العسكرية لمنافسيها؛ أي تحوّل إيران من قائدة لجبهة مناهضة للهيمنة إلى ضامن للنظام القائم.
أكبر ميزة للمحور هي بنيته الشبكية، وعدم مركزيتها، وفاعلية أضلاعه القائمة بذاتها. لكن إذا ارتدت طهران عباءة الوسيط والكابح، فإنها تكون بيدها قد دمّرت الغموض الاستراتيجي للشبكة، وأرسلت إشارة قاتلة إلى غرفة الحرب في واشنطن وتل أبيب:
مفتاح إطفاء وإشعال الشبكة كلها في طهران، ويمكن بالضغط على إيران تجميد جميع الجبهات دفعة واحدة!
قبول هذا الدور يمنح العدو الطمأنينة بأنه في لحظة تعرّض مصالحه الحيوية للخطر لا يحتاج إلى تقديم تنازلات جيوسياسية؛ بل يمكنه فقط عبر اللوبي/الضغط في طهران أن يوقف صواريخ ومسيّرات صنعاء أو بغداد أو بيروت.
أثبتت التجربة الملموسة في السنوات الأخيرة أنه كلما ذهبت إيران، استجابة للوساطات، نحو كبح أضلاع المقاومة أو أوصت بضبط النفس، سارع العدو إلى توجيه أثقل ضرباته وأكثرها فتكاً. في منظومة إدراك أمريكا وإسرائيل، تُفكَّك وساطة طهران لخفض التوتر لا بوصفها عقلانية سياسية، بل بوصفها أفولاً للردع وخوفاً من تصاعد الصراع.
محور المقاومة تحالف أيديولوجي وعضوي في معركة وجودية.
إذا شعر المقاتل اليمني أو اللبناني أو العراقي بأن طهران، في لحظة ذروة هشاشة العدو، دخلت الميدان تحت تأثير رهاب الحرب لدى التكنوقراط لتكبح نيرانهم، فإن رأس مال الثقة داخل خطاب المحور يتآكل بشدة.
إن عدم رغبة اليمنيين الذكي اليوم في الوساطات المحافظة ينبع من هذا الفهم الاستراتيجي العميق نفسه. فقد أدركوا بحق أن أي وقف لإطلاق النار وكبح للتوتر في هذه المرحلة لا يمنح العدو إلا فرصة للتنفس كي يمضي في استراتيجية تجزئة الصراع بتركيز القوى ودون قلق من الجبهات الأخرى.
الخلاصة؛ إذا كان مقرراً أن تأتي دول المنطقة والقوى العالمية نحو طهران، فلا ينبغي أن يكون هذا الإقبال لاستخدام إيران في إطفاء نار المقاومة؛ بل يجب أن يحدث من رهبة تصاعد التوتر المنسق من قبل المحور كله.
رسالتنا التاريخية للبقاء في هذه المنطقة هي كسر النظام الأمريكي وفرض هندسة أمنية جديدة، لا أداء دور رجل الإطفاء لكبح مجاهدين هم خط الدفاع الأمامي عن الأمن القومي الإيراني نفسه.

