قراءاة لتعليق الكسندر دوغين على مذكرة التفاهم الامريكية الايرانية

إعداد الدكتورة بدرة قعلول
مازلت اتمعن في الأخبار ولا زلت أحاول فهم وقراءاة ما يحدث في الشرق الأوسط والعدوان الصهيوامريكي على إيران، ولا زلت اتابع تفاصيل مذكرة التفاهم الايرانية الأمريكية والشيطان يتربع في التفاصيل، فكل كلمة وهمسة وحركة خلفها الكثير من التبعيات والتأويلات والقراءات، لم اثق يوما بما يقوله الغرب ولا بما يقوله ترامب الماكر وجوقته، فالكل متفاهم إلاّ زعماء العرب لم يصلوا يوما الى تفاهم ولا الى إدراك… العالم اليوم على المحك يعيش أقذر وأصعب فترة من التعفّن الأخلاقي والقيمي، فلا معايير ولا قوانين تحكمه، نعيش فترة من المغالطات والمنعرجات والانحدارات…
فلقد اعتبر المفكر والفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين أن إبرام مذكرة التفاهم واتفاق وقف إطلاق النار يمثل انعكاساً لإنهيار قواعد القانون الدولي وسطوة “القوة الغاشمة” الأمريكية بل وانقاذا للامريكي وهو في مأزق كبير.
وتتركز أبرز مواقف “دوغين” حول هذا الاتفاق في النقاط التالية:
رفض التفاوض:
حذر “دوغين” سابقاً القيادة الإيرانية من أي تسوية، معتبراً أن مجرد الجلوس للتفاوض مع الولايات المتحدة يُعد تنازلاً، وأن استمرار الضغط الإيراني هو السبيل الوحيد لتحقيق انتصار حقيقي على القوة الغاشمة الأمريكية.
تغير موازين القوى:
يرى أن الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي المشترك ومن ثم توقيع مذكرة التفاهم قد غير قواعد السياسة الدولية بشكل جذري.
سقوط الشرعية الدولية:
انتقد دوغين بشدة مضامين الاتفاق، واعتبر أن إقدام الولايات المتحدة على ضرب إيران – وهي دولة ذات سيادة قبلت بالتفاوض لاحقاً – يؤكد أن العالم دخل عهداً تحكمه شريعة الغاب خارج إطار القوانين الدولية.
خطر على روسيا:
حذر من أن نجاح أمريكا في إخضاع إيران سيشجع الغرب على اتخاذ إجراءات وتدخلات مماثلة ضد دول سيادية أخرى، وفي مقدمتها روسيا.
وتأتي تحليلات دوغين في سياق نظرية “الأوراسية” التي يتبناها، والتي تدعو إلى توحيد روسيا وإيران والدول الآسيوية في جبهة موحدة لمواجهة الهيمنة الأمريكية.
كما علّق المفكر ألكسندر دوغين منذ بداية الحرب 28 فبراير 2026 أن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران يُشير إلى انهيار القانون الدولي وبداية عهد جديد تُحكم فيه السياسة العالمية بالقوة الغاشمة وهو اليوم يعيد نفس القراءة بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، والتي يعتبرها هشّة وتخدم مصلحة الصهيوامريكية أكثر من إيران. كما حذّر دوغين من سقوط إيران في الفخ الأمريكي الصهيوني مما سيفتح الشاهية للقوى الغاشمة الغربية لإستباحة دول أخرى وخاصة روسيا.
وفي نفس السياق وبنفس الفكرة السابقة واستشرافه قال دوغين ان ما حدث في اليوم الأول من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران غيّر جذرياً موازين القوى في العالم وقواعد السياسة الدولية واسقط القناع عن الشرعية الدولية الموهومة.
وسبق أن صرّح ترامب بأن القانون الدولي غير موجود:
“ما أعتبره أخلاقياً هو ما أعتبره أخلاقياً “.
من حيث المبدأ، في أعقاب اختطاف مادورو وفرض سيطرة خارجية مباشرة على فنزويلا، والآن بعد الهجوم على دولة ذات سيادة ومستقلة إيران، مع التدمير المُستهدف للقيادة العسكرية والسياسية والدينية للبلاد وكل المعالم الاثرية والجامعات والمدارس- وهي دولة ذات سيادة كانت تتفاوض طواعية مع الولايات المتحدة – لم يعد من الممكن الحديث عن قواعد أو قوانين أو أي معايير للعلاقات الدولية في العالم ومن خان مرّة ونكث العهد بل لا عهد له سيفعلها مرة ومرات أخرى فالمحداثات اليوم في سويسرا ليست بالضرورة نهاية للعدوان وللهجوم فهؤولاء اختصاصهم الخيانة وبعدها يجلسون على طاولة التفاوض بكل وقاحة.
في الواقع، وبحسب الكسندر دوغين لم يعد يُطبّق في هذا العالم اللامتوازن إلا حقّ الأقوى، حقّ الأسرع وحقّ البربرية والغطرسة التي لا تراعي أية معايير أخلاقية ولا معايير قانونية ولا شرعية والبقاء للأقوى وليس بشريعة الغاب بل بشريعة الانسان المتوحش.
وكأننا اليوم أمام عالم متوحش يعتبر من يهاجم بسرعة ويتصرّف أسرع هو “المُحقّ” مع أننا لم نعد نعلم ما معنى محق او شرعي أو أقوى وخاصة لم يعد لدينا معنى او مفهوم “للأخلاق الانسانية” وكلّ ما عدا ذلك يصبح مجرّد تبرير إضافي.
أي أنّه من المهمّ الآن توجيه ضربة قاضية للعدو، وكسر مقاومته، وتدمير قيادته، وضرب منشآته العسكرية والحيوية والطاقة الرئيسية. بعد ذلك، يمكنك صياغة الأمر كما تشاء، وتبريره كما تشاء، وقضاء وقت طويل في التفكير فيه كما تشاء، وابرام اتفاق كما تشاء وفي الوقت الذي تشاء، فلا يمكن لأحد ان يحاسبك، ربما بعد مائات السنوات سيحاسبك كتاب التاريخ واستاذ التاريخ، وسيطرح طلبة التاريخ والسياسة اسئلتهم:
كيف كانت هذه الشعوب تعيش وبأية معايير؟
مذكرة تفاهم أم صك إشهار؟ كيف تهين إملاءات الوكالة الدولية السيادة الإيرانية
لا تعكس التصريحات الأخيرة لمدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن عمليات التفتيش المرتقبة في إيران توازناً دبلوماسياً، بل تشكل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية وضبطاً تراجعياً لمبادئ النظام الدولي متعدد الأقطاب. بالنسبة لدولة تمثل ركيزة أساسية في محور المقاومة، فإن القبول بهذه التنازلات عبر مذكرة التفاهم الأخيرة مع الولايات المتحدة يمثل تراجعاً استراتيجياً خطيراً.
إليك كيف تهين هذه الإملاءات السيادة الإيرانية بشكل مباشر:
إعادة فرض الوصاية الأحادية:
إن مطالبة الوكالة الملحة بتحديد مكان مخزون اليورانيوم عالي التخصيب
"في أقرب وقت ممكن"
تتعامل مع إيران ليس كدولة ذات سيادة تملك حقوقاً علمية ودفاعية مشروعة، بل ككيان خاضع للوصاية الدولية.
فخ البيرقراطية التقنية الغربية:
عبر تحويل الصراع الجيوسياسي الوجودي إلى مجرد "ملفات إجرائية" تقنية، تخاطر طهران بالوقوع في فخ غربي؛ إذ إن السماح للمفتشين الأجانب بالوصول المطلق إلى منشآت استراتيجية يمس بالأمن العسكري والاستخباراتي تحت غطاء "التحقق".
استدعاء المهيمن:
إن إشارة الوكالة إلى أن طهران يمكنها
"دعوة واشنطن أو مراقبين آخرين"
للتفتيش تمثل إهانة معنوية وسياسية، وتدشيناً لمحاولة تطبيع وجود الهيمنة الغربية التي بذل محور المقاومة عقوداً لطردها من المنطقة.
النقد من منظور التعددية القطبية:
إن التعددية القطبية الحقيقية تتطلب مراكز قوى سيادية ترفض الانصياع للمؤسسات الدولية المنحازة التي تعمل كأذرع للسياسة الخارجية الغربية.
ومن خلال التنازل أمام جداول التفتيش الهجومية والمعايير المفروضة بضغط أمريكي، تقوض طهران أوراق القوة التي تملكها، وتكشف العمق الاستراتيجي للمحور أمام خصومه، فالصيغ التقنية مع مهيمن لا عهد له لا تضمن الأمن أبداً، بل تقدم له خرائط مجانية لنقاط القوة.