من قائد جهادي إلى رجل دولة؟
في جلسة أمام المجلس الأطلسي في نيويورك، قدّم الرئيس السوري أحمد الشرع رؤية جديدة لسوريا تقوم على السيادة، وإخراج القواعد العسكرية الأجنبية، وإنشاء ممرات إقليمية للطاقة، وتحقيق سلام دائم مع إسرائيل على أساس استعادة الحقوق السورية.
خطاب محسوب بعناية لجمهور دولي ولسوريين أنهكتهم سنوات الحرب.
لكن السؤال المركزي ليس ماذا يعد الشرع، بل: هل يدعم سجله هذه الوعود؟
الوعد: سوريا ذات سيادة
يقول الشرع إن سوريا يجب ألا تضم قواعد عسكرية أجنبية، وإن أي وجود عسكري أجنبي يجب أن يستند إلى إطار قانوني يقرّه البرلمان.
كما يطرح استراتيجية طموحة للطاقة تربط حقول النفط العراقية بالموانئ السورية، بما قد يحول سوريا إلى مركز إقليمي لعبور الطاقة.
وفي ما يتعلق بإسرائيل، يقول إن دمشق تسعى إلى سلام دائم شرط عدم احتلال الأراضي السورية واستعادة الحقوق السورية. كما ادعى أن المفاوضات السابقة وصلت إلى نحو 90% من التوافق قبل انسحاب إسرائيل.
السجل: الماضي لم يختفِ
إن انتقال الشرع من أبو محمد الجولاني، قائد جبهة النصرة ثم هيئة تحرير الشام، إلى شخصية سياسية تحظى باعتراف دولي، لا يمحو تاريخ تلك التنظيمات أو الاتهامات المرتبطة بانتهاكات وقعت في ظل حكمها.
كما أن المشكلة لا تتعلق بالماضي وحده.
وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، قتل 78 شخصاً داخل مرافق الاحتجاز التابعة للسلطات الانتقالية منذ سقوط الأسد، بينهم 61 في عام 2025 و17 في عام 2026. ويشير المرصد إلى التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الطبية ضمن قضايا تستدعي التحقيق.
القواعد الأجنبية: تناقض واضح
يتحدث الشرع عن إنهاء البنية العسكرية الأجنبية في سوريا.
لكن التقارير المتعلقة بعلاقة دمشق بموسكو تشير إلى استمرار وصول روسيا إلى منشآت رئيسية، بينها طرطوس وحميميم.
وهنا يظهر التناقض الأساسي:
هل تفكك سوريا فعلاً النفوذ العسكري الأجنبي، أم أنها تعيد فقط التفاوض حول الجهة التي يُسمح لها بالاحتفاظ به؟
السؤال الإسرائيلي
تمثل لغة الشرع الدبلوماسية تحولاً كبيراً عن ماضيه الجهادي.
وموقفه الحالي هو أن سوريا يمكن أن تسعى إلى السلام مع إسرائيل إذا استعادت حقوقها الإقليمية.
إنه تحول سياسي مهم، لكنه يطرح أسئلة جدية حول كيفية توفيق دمشق بين الدبلوماسية والسيادة والسيطرة على الأراضي، في ظل استمرار قضية الجولان المحتل.
التقدير الاستخباراتي
المسألة ليست ما إذا كانت رؤية الشرع لسوريا مستقرة تبدو جذابة.
إنها كذلك.
المسألة هي: هل بدأ السلوك المؤسسي يواكب الخطاب الرئاسي؟
لا يمكن لسوريا ذات السيادة أن تستبدل تبعية خارجية بأخرى. كما لا يمكن لحكومة تقدم نفسها باعتبارها تمثل نظاماً سياسياً جديداً أن تطالب بالشرعية الدولية، بينما لا تزال الاتهامات الموثوقة بوقوع انتهاكات داخل مراكز الاحتجاز دون حسم.
كما أن التحول من قائد جماعة مسلحة إلى رجل دولة لا يصبح حقيقة لمجرد أن لغة الخطاب تغيرت.
الاختبار الحقيقي للشرع ليس خطابات نيويورك، بل السلوك القابل للقياس: المحاسبة، حماية الأقليات، دمج المؤسسات، صون السيادة الإقليمية، وإنهاء الانتهاكات.
وحتى تثبت هذه المعايير على الأرض، يبقى التحول من قائد جهادي إلى رجل دولة ادعاءً سياسياً، لا حقيقة مكتملة.
ملاحظة: في الفيديو، يقول الرئيس السوري أحمد الشرع:
