كسْر حصار الممرات البحرية: جيوسياسية أنبوب النفط بين العراق وسورية ولبنان

شكلت المباحثات رفيعة المستوى التي شهدتها بغداد في 26 تموز/يوليو 2026 بين رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام ونظيره العراقي علي الزيدي—والتي جاءت أعقاب موافقة الحكومة العراقية على إطار إنشاء خطوط أنابيب جديدة—تحولاً استراتيجياً بارزاً في خريطة الطاقة بشرق المتوسط. إن المقترح العراقي الناقل للنفط عبر الأراضي السورية إلى مصب طرابلس اللبناني، كما أبرزت صحيفة "ذا ناشيونال"، يتجاوز كونه صفقة تجارية ليصاغ كمشروع إعادة هيكلة للجغرافيا السياسية والاقتصادية في غرب آسيا.
1. الانعتاق من ابتزاز الممرات البحرية وتركيا
تاريخياً، ظلت صادرات العراق النفطية (التي تتجاوز 3.4 مليون برميل يومياً) رهينة اختناقين
جيوسياسيين: الخليج العربي ومضيق هرمز—المعرضين دوماً للضغط العسكري والأمني الغربي—وخط جيهان الشمالي عبر تركيا، الخاضع للمساومات السياسية المستمرة مع أنقرة. إن إحياء وتطوير مسار كركوك-طرابلس التاريخي الممتد على طول 928 كم (بطاقة استيعابية سابقة بلغت 410 ألف برميل يومياً) يوفر لبغداد منفذاً برياً سيادياً ومباشراً نحو البحر الأبيض المتوسط.
2. محور المقاومة كقلعة اقتصادية متكاملة
من منظور تحليلي نقدى لموازين القوى في المنطقة،
فإن ربط بغداد ودمشق وبيروت بشبكات طاقة عابرة للحدود يترجم الجغرافيا السياسية لمحور المقاومة إلى حزام أمان اقتصادي:
سورية: تحصل على عوائد ترانزيت حيوية وتأمين تدفقات الطاقة، مما يكسر مفاعيل الحصار المفروض بقوانين العقوبات الغربية ("قيصر").
لبنان: يؤمن احتياجات شبكته الكهربائية المتهالكة بالخام العراقي، مع إعادة تفعيل منشآت طرابلس كمركز إقليمي لتخزين وتصدير الطاقة على المتوسط.
العراق: يؤمن بديلاً استراتيجياً يحرره من هيمنة الممرات البحرية والمناطق الخاضعة لنفوذ حلف الناتو.
3. التحديات الهيكلية والضغط الغربي
رغم أن الخطط الفنية والجدول الزمني المقترح يستهدفان بدء العمليات الجزئية والتخزين بين عامي 2027 و2030، فإن المعركة الحقيقية ستكون سياسية بالدرجة الأولى. واشنطن وحلفاؤها الإقليميون لن ينظروا إلى شريان طاقة يربط بغداد بدمشق وطرابلس إلا كتهديد مباشر لأدوات الضغط المالي والسياسي على الهلال الخصيب. ويبقى نجاح هذا المشروع مرهوناً بمدى امتلاك العواصم الثلاث لإرادة سياسية سيادية تتحدى الضغوط الخارجية وتفرض التكامل الاقتصادي المستقل.