لا توجد أدلة على أن هؤلاء الآلاف يشكلون كتلة سياسية أو أيديولوجية واحدة.
وبحسب المسؤولين العراقيين، تبدو الدوافع الاقتصادية عاملاً رئيسياً.
بعض المجندين انجذبوا إلى المال والجنسية وفرص العمل أكثر من انجذابهم إلى موسكو أو كييف.
وهذا يعني أن الظاهرة قد تقول عن الأزمة الاجتماعية والاقتصادية العراقية أكثر مما تقول عن الولاء الجيوسياسي للعراقيين.
ماذا تفعل الحكومة العراقية؟
لم تتجاهل بغداد الملف، لكن ردها جاء بعد أن كانت شبكات التجنيد قد ترسخت بالفعل.
بحلول شباط/فبراير 2026، شكلت الحكومة لجنة عليا برئاسة مستشار الأمن القومي وشاركت فيها الأجهزة الأمنية والاستخبارية، كما اعتُقل 17 شخصاً يشتبه في تورطهم بالتجنيد، وبدأت اتصالات دبلوماسية مع أوكرانيا بشأن الأسرى العراقيين، مع التحضير لإرسال وفد إلى موسكو لتحديد العدد الحقيقي للمجندين.
كما أنشأت السفارة العراقية في موسكو خطاً ساخناً للتعامل مع الملف.
لكن السؤال الأكثر إحراجاً هو:
كيف تمكن آلاف العراقيين من الوصول إلى شبكات التجنيد العسكرية الأجنبية قبل أن تكتشف الدولة حجم المشكلة؟
هذه ليست مجرد مشكلة تحقيق بعد وقوعها.
إنها مشكلة فشل في الوقاية أيضاً.
كيف يمكن إعادتهم وتأهيلهم داخل العراق؟
تحتاج بغداد إلى برنامج وطني متخصص لـ إعادة المقاتلين العراقيين وإعادة دمجهم، يقوم على أربع مراحل:
1️⃣ تحديد الهوية: إنشاء قاعدة بيانات موثقة للعراقيين الموجودين في صفوف القوات الروسية أو الأوكرانية، والمفقودين والأسرى والقتلى.
2️⃣ التفاوض الدبلوماسي: العمل مع موسكو وكييف لإعادة الأسرى والجرحى وكل من يرغب في العودة.
3️⃣ الفرز القانوني: التمييز بين من انضم طوعاً، ومن جرى تجنيده بصورة غير قانونية، وضحايا الاتجار بالبشر، ومن يُشتبه بارتكابهم جرائم.
4️⃣ إعادة الدمج: توفير الدعم النفسي، والتدريب المهني، وفرص العمل، والمساعدة للعائلات.
إعادتهم إلى العراق وتركهم عاطلين عن العمل لن تحل المشكلة.
بل قد تعيد إنتاج الظروف نفسها التي دفعتهم إلى مغادرة العراق أصلاً.
ما طائفتهم؟
لا توجد قاعدة بيانات عامة موثوقة تحدد التركيبة الطائفية لهؤلاء المقاتلين.
وتشير التقارير إلى نشاط شبكات التجنيد في بعض المحافظات الجنوبية، لكن ذلك لا يثبت أن جميع المجندين، أو حتى غالبيتهم، ينتمون إلى طائفة واحدة.
وهنا يجب الحذر.
تحويل ظاهرة مرتبطة بالبطالة والتجنيد الخارجي إلى قصة سنية ـ شيعية من دون أدلة سيكون تشويهاً للوقائع وقد يتحول بحد ذاته إلى مشكلة أمنية جديدة.
السؤال العراقي الحقيقي
المشكلة الأكبر ليست فقط أن آلاف العراقيين يقاتلون في روسيا أو أوكرانيا.
المشكلة أن العراق أصبح، في بعض الحالات، مصدراً للقوة البشرية التي يمكن استقطابها للحروب الخارجية، لأن اليأس الاقتصادي يمكن تحويله إلى تجنيد عسكري.
روسيا تحتاج إلى مقاتلين.
أوكرانيا تحتاج إلى مقاتلين.
شبكات التجنيد تحتاج إلى شباب هشين اقتصادياً.
والسؤال الذي يجب أن تطرحه بغداد على نفسها هو:
كيف أصبح عقد عسكري أجنبي بعشرات آلاف الدولارات أكثر جاذبية لبعض الشباب العراقي من بناء مستقبل داخل العراق؟
هذا هو الفشل الأمني والسياسي الحقيقي الذي يجب على بغداد أن تواجهه.