الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ليست مجرد منافسة بين نتنياهو والمعارضة، بل هي استفتاء على من يستطيع التحكم بالسردية الأمنية — ومن يستطيع البقاء سياسياً.

من المقرر أن تجري إسرائيل انتخاباتها المقبلة للكنيست في أكتوبر/تشرين الأول 2026. لكن خلف ثنائية «اليسار مقابل اليمين» المألوفة، توجد معادلة أبسط بكثير:

61 مقعداً = البقاء السياسي.

وعندما لا يستطيع أي من المعسكرين ضمان الحصول على هذه الأغلبية المكونة من 61 مقعداً بشكل مريح، تتحول الجبهة الشمالية من مجرد قضية أمنية إلى جزء من المعركة السياسية نفسها.

آلية بقاء نتنياهو

اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك بنيامين نتنياهو بتعمد إبقاء عدة جبهات أمنية تحت الضغط، بهدف تأجيل الاستحقاق الانتخابي ومواجهة الحساب السياسي.

وشملت تحذيراته سيناريوهات قصوى، بدءاً من محاولات تأجيل الانتخابات وصولاً إلى احتمال اللجوء إلى ظروف الطوارئ.

أما ما إذا كانت هذه السيناريوهات ستتحقق فعلاً، فهذه مسألة أخرى.

لكن المنطق السياسي الكامن وراءها يستحق الانتباه:

الحكومة التي تخوض «حالة طوارئ أمنية وطنية» تعمل في بيئة سياسية مختلفة جذرياً عن حكومة تُجبر على الإجابة عن إخفاقاتها الداخلية.

وطالما بقيت إسرائيل عالقة في مواجهة متعددة الجبهات، فإن الأمن سيظل مهيمناً على جدول الأعمال العام.

وهذا مفيد سياسياً لنتنياهو.

لأنه بمجرد أن تصمت المدافع، تعود الأسئلة الأخرى إلى الواجهة:

إخفاقات 7 أكتوبر

مسؤولية الحكومة

حرب غزة

الأزمة القضائية

مستقبل نتنياهو السياسي

فساد الائتلاف والانقسامات الداخلية

وكلما طال استمرار هيمنة الأزمة الأمنية على جدول الأعمال، أصبح من الصعب على المعارضة تحويل الغضب الشعبي إلى بديل انتخابي متماسك.

ℹ️ جدار الـ61 مقعداً

الحسابات الرياضية للسياسة الإسرائيلية قاسية.

يمتلك معسكر نتنياهو اليميني والديني قاعدة انتخابية شديدة الالتزام، لكن الوصول إلى الأغلبية السحرية المتمثلة بـ61 مقعداً لا يزال مرتبطاً بشركائه في الائتلاف، بما في ذلك قوى اليمين المتطرف.

أما المعارضة فتواجه المشكلة المعاكسة.

فهي تضم الوسطيين، وقادة عسكريين سابقين، وناخبين من اليمين العلماني، وشخصيات مثل بيني غانتس، غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت، لكن هذه القوى لا تتفق بالضرورة على شكل الحكم الذي سيأتي بعد نتنياهو.

وهناك قضية شديدة الحساسية بشكل خاص:

هل تستطيع حكومة مناهضة لنتنياهو الاعتماد على أحزاب ذات قاعدة انتخابية عربية للبقاء؟

هذا السؤال وحده قد يمنع معسكراً معارضاً قادراً نظرياً على تشكيل حكومة من التحول إلى ائتلاف حاكم مستقر.

ما النتيجة الأكثر ترجيحاً؟

ليست اكتساحاً انتخابياً.

وليست انتصاراً أيديولوجياً واضحاً لأي طرف.

بل جمود سياسي جديد.

كنيست منقسم بدرجة تجعل أسابيع — وربما أشهر — من المفاوضات الائتلافية أمراً شبه حتمي.

وقد تجد إسرائيل نفسها مرة أخرى أمام:

ائتلافات هشة

ترتيبات لتناوب رئاسة الحكومة

انشقاقات سياسية

مساومات بين الأحزاب

وربما حكومة أخرى قصيرة العمر

وهنا تحديداً تصبح الجبهة الشمالية ذات أهمية استراتيجية.

جنوب لبنان: الجبهة التي لا تستطيع السياسة تجاهلها

لا تقعوا في خطأ افتراض أن تغيير الحكومة في القدس يعني تلقائياً تغيير العقيدة العسكرية الإسرائيلية تجاه لبنان.

على الأرجح، لن يحدث ذلك.

إذا بقي نتنياهو في السلطة

من المتوقع أن تبقى الجبهة الشمالية ذات فائدة سياسية.

فالتبادلات المحدودة، والضربات المركزة، والانتشار العسكري، والضغط المستمر على حزب الله، يمكن أن تحافظ على الانطباع بأن إسرائيل لا تزال في حالة طوارئ وطنية.

وعلى العكس، فإن خفض التصعيد بشكل كامل قد يؤدي إلى إعادة تسليط الضوء السياسي على نتنياهو نفسه.

كلما هدأت الحدود، ارتفع صوت السياسة الداخلية.

إذا فازت المعارضة

قد تتغير اللهجة.

قد تتحسن العلاقات مع واشنطن، وتحظى المبادرات الدبلوماسية باهتمام أكبر، وقد تصبح الوساطة الدولية بشأن الحدود الشمالية أكثر جاذبية.

لكن لا ينبغي الخلط بين تغيير الحكومة وتغيير العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية.

فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا تزال تنظر إلى حزب الله باعتباره تهديداً رئيسياً، كما أن أي حكومة جديدة ستواجه ضغوطاً سياسية وعسكرية هائلة لمنع ظهورها بمظهر «الضعيفة» على الجبهة الشمالية.

الخلاصة

الانتخابات الإسرائيلية المقبلة قد تغيّر الحكومة في القدس، لكنها لا تعني بالضرورة تغييراً جذرياً في الاستراتيجية تجاه جنوب لبنان.

ففي إسرائيل، صندوق الاقتراع والجبهة العسكرية لم يعودا مجالين منفصلين.

وكلما اقترب موعد الانتخابات، سيصبح السؤال الأهم ليس فقط:

من سيحكم إسرائيل؟

بل: