باريس
ما حدث؟
نشر المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي فيديو لقاء الزيدي برئيس بنك روتشيلد في باريس، ليثير غضباً شعبياً واسعاً بسبب الدور التاريخي لهذه العائلة في وعد بلفور 1917 الذي كان حجر الأساس لـإنشاء إسرائيل.
لكن السؤال الأعمق والأهم: لماذا يلتقي الزيدي بروتشيلد الآن؟ وما حقيقة هذا المشهد؟
الأزمة المالية: استنزاف خارجي ووصاية خفية
التحكم بالمال العراقي
تُودع عائدات النفط — التي تشكل 90% من ميزانية الدولة — في بنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك منذ عام 2003.
الأداة الأمريكية هنا ليست فقط التجميد السياسي المباشر، بل التحكم الصارم بشحنات الدولار النقدي.
ففي أبريل 2026 أوقفت واشنطن شحنة بقيمة 5 مليارات دولار كضغط سياسي، ثم استأنفتها في يوليو 2026 كمكافأة لـلزيدي بعد انتخابه، لتصل الرسالة واضحة: المال موجود، لكن الوصول إليه مشروط.
السرقات اليومية المقنعة
لا يقتصر الضغط الأمريكي على القرارات السياسية الكبرى، بل يتعداه إلى استنزاف ممنهج ومستمر للعائدات عبر عقود القواعد العسكرية والخدمية.
تُفرض فواتير وأسعار خيالية لخدمات تحت غطاء الوجود اللوجستي.
أرقام الأزمة
العجز المالي لعام 2026 ارتفع إلى 610 ملايين دولار بعد أن كان مخططاً له 490 مليوناً.
الرواتب تلتهم 50-60% من النفقات العامة، والإيرادات غير النفطية ضئيلة جداً.
التصنيف الائتماني B-/B يعني أن العراق يُعتبر عالي المخاطر مالياً، وأي قرض سيحصل عليه سيكون بفوائد عالية.
أزمات متراكبة
· هرمز: صادرات النفط انهارت من 4.2 مليون برميل يومياً إلى 1.45 مليون، ثم تعافت إلى حوالي 3 ملايين برميل يومياً.
· سومو والناقلات: الناقلات العراقية تمر عبر "الطريق الأمريكي" مع إغلاق أنظمة التتبع (AIS) لتفادي المخاطر.
· تهديد أمريكي: بوقف شحنات الدولار إذا لم يُحصر السلاح بيد الدولة بحلول 30 سبتمبر 2026.
النتيجة
سعر الصرف في السوق الموازية بلغ 160,000 دينار لكل 100 دولار، مع خوف حقيقي من توقف التدفق النقدي.
ماذا يفعل روتشيلد في هذا الوقت؟
المصارف الكبرى لا تقدم حلولاً مجانية، بل تستغل لحظات الانهيار لفرض إملاءات قاسية. وكما حدث في النموذج اليوناني (2011-2017) حين قادت هذه المؤسسات إعادة هيكلة الديون وفرض التقشف وخصخصة الموانئ والطاقة والاتصالات، فإن ما يطرحه روتشيلد على العراق ليس سوى قبو مظلم من الوصاية الخارجية، والتقشف، وفتح الأسواق لابتلاع ما تبقى من أصول الدولة مقابل قرض جديد بشروط تعجيزية.
تقييم دور الزيدي: "سفاهة" تكشف الحقائق
يمثل الزيدي واحدة من أضعف التجارب السياسية في تاريخ العراق الحديث. فرجل في أوائل الأربعينيات من عمره، يفتقر لأدنى خبرة سياسية، وتخونه حتى أبسط قواعد الفصحى في المحافل الدولية بلغة ركيكة، ومتسرعة في قراراته، يجد نفسه في عين العاصفة.
لكن المفارقة أن النقطة الإيجابية الوحيدة في "سذاجته السياسية" هي أنه يكشف علناً ما كان أسلافه يمارسونه سراً.
الرؤساء السابقون ربما ارتكبوا ذات الأخطاء وخضعوا لنفس الشروط، لكنهم امتلكوا مهارة التعتيم والتمرير في الغرف المغلقة.
أما عفوية الزيدي وجهله الفادح بحساسية المشهد، فقد جعلاه ينشر فضيحة اللقاءات والمفاوضات على الملأ، ليعرّي المنظومة برمتها دون أن يدري حجم الفخ الذي يقف في وسطه.
الخلاصة
المشكلة أن المال العراقي محتجز ومستنزف في نيويورك، والشعب غائب عن قرار ثروته. الأزمة المالية خانقة وسببها الخارجي (السياسي واللوجستي) أكبر بكثير من قدرات الداخل. والحل المطروح اليوم عبر "مستشار مالي دولي" ليس سوى إدارة للتبعية لا خروجاً منها.
العراق يتجه ليصبح "يونان جديدة":
دولة غنية بالموارد، فقيرة بالقرار، تُدار بسياسات قيادة ضعيفة وعفوية تكشف الحقائق بلا وعي، وتدفع وحدها فاتورة أزمات لم تصنعها وحدها.
