خرج المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بتغريدة حول مزاعم استهداف مكة المكرمة، بدت في ظاهرها دفاعاً عن المقدسات ورفضاً للاتهامات.
لكن قراءة متأنية تكشف أن هذه التغريدة لا تخدم محور المقاومة، بل تقدم تنازلات مجانية للسردية السعودية. لماذا؟
أولاً: الاعتراف الضمني بوجود "حدث"
لو كان هدف بقائي الاستنكار العام فقط، لكان بإمكانه الاكتفاء بعبارة "الأماكن المقدسة الإسلامية". لكنه أضاف "ولا سيما مكة المكرمة والمدينة المنورة"، وهذا اختيار ليس بريئاً.
هو يعترف ضمنياً بالسياق الذي طرحته السعودية — أي أن هناك بالفعل نقاشاً يدور حول "مكة والمدينة". هذا يشبه من يقول: "أي اعتداء على الممتلكات مدان، ولا سيما السيارات والمنازل" — أنت لم تقل إن هناك اعتداءً على سيارات، لكنك تضعها في مقدمة القائمة، مما يعني أنك تتفاعل مع اتهام محدد.
• النتيجة: بقائي لا يقول "الهجوم على مكة وقع"، لكنه يقول "إذا وقع، فهو مدان". هذا يرفع الحدث من مستوى "الاتهام الكاذب" إلى مستوى "الاحتمال الذي يستحق النقاش".
ثانياً: إهدار فرصة فضح التلاعب السعودي
المصادر تؤكد أن الفيديو المتداول يعود لـسبتمبر 2025 في المدينة المنورة، وليس لـمكة، وأن السعودية استخدمته بشكل مضلل للإيحاء بوقوع اعتراض في مكة.
كان الأجدر ببقائي أن يفكك السردية من أساسها.
فيقول مثلاً: "الفيديو المتداول أصلاً من المدينة المنورة، والسعودية تحرف الحقائق لتصنع ذريعة". لكنه بدلاً من ذلك قبل الإطار السعودي، وتفاعل معه على مستوى "الاستنكار العام".
هذا يمنح الرياض ما تريده: شرعية ضمنية بوجود "تهديد" لمكة.
ثالثاً: الدفاع عن إيران لا عن الحوثيين
يبدو أن بقائي يريد حماية موقع إيران كـ"راعٍ للمقدسات"، وليس الدفاع عن أنصار الله.
لو ركز على فضح أن "الفيديو من المدينة، والسعودية تحرف"، لكان هذا دفاعاً مباشراً عن الحوثيين — وهو أمر لا تريده إيران في هذا السياق، لأنها لا تريد أن تبدو وكأنها تحمي من "يهدد المقدسات"!
لكن هذه المناورة تكلف المحور كثيراً:
فبدلاً من إسقاط الاتهام، جعلته إيران قضية قابلة للطرح. والضحية هنا هي أنصار الله، الذين يخوضون معركة إعلامية ضد سردية سعودية مبنية على فيديو مفبرك.
الخلاصة
تغريدة بقائي هي تنازل تكتيكي تشتري به إيران موقعاً "أخلاقياً" في خطاب المقدسات.
لكنها تدفع ثمناً باهظاً: الاعتراف الضمني بأن "استهداف مكة" قضية قابلة للطرح، لا مجرد افتراء يُرفض من أساسه.
هذا لا يخدم محور المقاومة، بل يمنح السعودية شرعية إضافية لمواصلة حملتها الإعلامية. وبدلاً من أن تكون إيران رأس الحربة في فضح التلاعب، وجدت نفسها تدافع عن نفسها في ملعب رسمته الرياض.
