3️⃣ ما السيناريوهات المتوقعة خلال المرحلة المقبلة؟

السيناريو الأول | تصاعد حرب الظل والعمليات الهجينة

قد نشهد مزيداً من الهجمات الإلكترونية، وحوادث التخريب المشتبه بها، واتهامات التجسس، ومحاولات تعطيل المنشآت الاستراتيجية.

وهذا السيناريو يبدو أكثر إلحاحاً في المدى القريب من احتمال اندلاع حرب شاملة.

السيناريو الثاني | تسارع عسكرة أوروبا

من المرجّح أن تواصل بريطانيا وشركاؤها في حلف الناتو زيادة الاستثمارات في الدفاع المدني والأمن السيبراني والجاهزية العسكرية وحماية البنى التحتية.

وقد أعلنت الحكومة البريطانية بالفعل عن مناورة وطنية كبرى خلال عام 2027 لاختبار قدرة مؤسسات الدولة على التعامل مع الهجمات الهجينة.

السيناريو الثالث | الانزلاق نحو مواجهة أخطر

قد يؤدي وقوع هجوم كبير على منشأة حيوية، مع توجيه الاتهام إلى روسيا، إلى إجراءات انتقامية أو عقوبات إضافية أو عمليات إلكترونية مضادة أو تحركات عسكرية تصعيدية.

لكن الخطر الأكبر يكمن في سوء التقدير الاستراتيجي.

فقد يُفسَّر حادث محدود على أنه عدوان متعمّد تقف خلفه دولة، ما يدفع الطرفين إلى تصعيد لم يكن أي منهما يسعى إليه في البداية.

رأي المراقب | القراءة الاستراتيجية

هنا يجب التمييز بين أمرين أساسيين.

حملة الاستعداد للطوارئ لمدة 72 ساعة لم تظهر فجأة؛ فقد أُعلن عن التخطيط لها قبل أشهر، ثم أُطلقت رسمياً في 22 تشرين الأول الجاري.

وبالتالي، فإن هذه التعليمات لا تشكّل دليلاً على امتلاك الاستخبارات البريطانية معلومات عن هجوم وشيك خلال الأيام المقبلة.

لكن ربط الاستعداد المنزلي بتهديدات الدول المعادية يكشف عن تحول استراتيجي مهم في التفكير الأمني البريطاني.

بريطانيا تنتقل تدريجياً من التعامل مع الحرب باعتبارها حدثاً يقع خارج حدودها، إلى تهيئة مجتمعها لاحتمال وصول تداعيات المواجهات الجيوسياسية مباشرة إلى المنازل والشركات والخدمات اليومية.

وهنا يبرز سؤال أكثر إزعاجاً:

إذا كانت الحكومة البريطانية تقرّ بأن بنيتها التحتية عرضة لاضطرابات خطيرة نتيجة هجمات محدودة نسبياً، فكيف سيكون الوضع في حال اندلاع مواجهة طويلة بين قوى تمتلك أسلحة نووية؟

ومن المهم أيضاً فهم أن لهذه التصريحات جمهورين مختلفين:

الجمهور الأول: المواطن البريطاني، الذي يُطلب منه الاستعداد لتحمّل اضطرابات قد تعجز مؤسسات الدولة عن معالجتها فوراً.

الجمهور الثاني: خصوم بريطانيا، الذين تريد لندن إيصال رسالة إليهم بأنها تعمل على تعزيز قدرتها على الصمود، وأن تعطيل الخدمات لن يكون بالضرورة كافياً لإخضاعها.

تقديري للموقف:

السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب هو استمرار المواجهة الهجينة وتسارع التسلح الأوروبي، وليس اندلاع حرب مباشرة بين روسيا وحلف الناتو.

لكن تراكم الحوادث والاتهامات والتحركات العسكرية يزيد تدريجياً من احتمالات سوء الحسابات والتصعيد غير المقصود.

التحذير البريطاني حقيقي، ونقاط الضعف موجودة، لكن الحديث عن حرب وشيكة لا يزال يفتقر إلى أدلة حاسمة.

والأخطر من التحذير نفسه هو أن أوروبا بدأت تتعامل مع احتمال الحرب باعتباره جزءاً من التخطيط الوطني طويل الأمد، لا مجرد

سيناريو نظري بعيد.

البنتاغون يستعد لحرب

كبرى قد تصل إلى الأراضي الأميركية… فما الذي تخشاه واشنطن؟ وما سرّ خطة FORTRESS؟

26 تشرين الأول 2026 | واشنطن

عندما يبدأ الجيش الأقوى في العالم بالتخطيط لبقاء قواعده العسكرية 90 يوماً دون كهرباء أو وقود أو إمدادات خارجية، فإننا أمام تحوّل استراتيجي يستحق التوقف عنده.

كشفت شبكة «فوكس نيوز»، في تقرير نشرته أمس، عن تفاصيل مبادرة عسكرية أميركية تحمل اسم FORTRESS America، هدفها ضمان استمرار عمل القواعد العسكرية داخل الولايات المتحدة لمدة لا تقل عن 90 يوماً، حتى في حال انهيار شبكات الكهرباء وتعطّل سلاسل الإمداد والاتصالات.

لكن السؤال الأهم: أي حرب يستعد لها البنتاغون؟ ولماذا لم تعد المحيطات كافية لحماية الولايات المتحدة؟

أولاً | ما هي خطة FORTRESS؟

أُطلقت المبادرة رسمياً في 30 أيلول 2026، وهي ليست خطة لبناء ملاجئ عسكرية فحسب، بل مشروع لإعادة تنظيم قدرة الولايات المتحدة على مواصلة القتال خلال حرب طويلة ومتعددة الجبهات.

وتشمل:

▪️ إنشاء مصادر طاقة مستقلة للقواعد العسكرية، بما فيها المفاعلات النووية الصغيرة وشبكات الكهرباء المصغّرة.

▪️ تخزين احتياطيات استراتيجية من الذخائر والوقود والأدوية والمعادن الأساسية.

▪️ تجهيز المصانع المدنية للتحول إلى الإنتاج العسكري خلال الأزمات.

▪️ حماية الاتصالات العسكرية والأقمار الصناعية وأنظمة الملاحة من التشويش والهجمات السيبرانية.

▪️ ضمان استمرار العمليات الأساسية لمدة 90 يوماً دون الاعتماد على البنية التحتية المدنية.

وهنا تكمن الدلالة العسكرية: البنتاغون لم يعد يفترض أن الحرب المقبلة ستبقى بعيدة عن الأراضي الأميركية.

ثانياً | أي حرب تتوقعها واشنطن؟

من الناحية الاستراتيجية، هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

1. حرب إقليمية واسعة ضد إيران

مع تصاعد التوتر بين واشنطن وتل أبيب وطهران، يبقى احتمال توسّع المواجهة إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات قائماً.

وقد يؤدي انخراط الولايات المتحدة مباشرة في حرب واسعة إلى اضطرابات في طرق الطاقة والتجارة والانتشار العسكري الأميركي في المنطقة.

لكن خطة FORTRESS تتجاوز هذا السيناريو وحده.

2. مواجهة عسكرية مع الصين

الحرب حول تايوان، إن اندلعت واتسعت، قد تتحول إلى صراع استنزاف صناعي ولوجستي طويل، مع اضطراب إمدادات أشباه الموصلات والمعادن والتكنولوجيا.

وهذا يفسّر اهتمام البنتاغون بإيجاد موردين بديلين، وتعزيز الإنتاج المحلي، وحماية شبكاته العسكرية.

3. مواجهة أوسع مع روسيا تتزامن مع التصعيد في آسيا والشرق الأوسط

السيناريو الأخطر بالنسبة للمخطط العسكري الأميركي ليس بالضرورة مواجهة دولة واحدة، بل تزامن عدة أزمات عسكرية كبرى يستنزف القدرات الأميركية ويعطّل سلاسل الإمداد العالمية.

وهذا تحديداً ما يجعل مفهوم الحرب متعددة الجبهات محوراً أساسياً في التفكير الأميركي.

ملاحظة مهمة: لم يحدد تقرير «فوكس نيوز» دولة بعينها باعتبارها الهدف المقبل، ولا توجد أدلة منشورة تثبت أن الخطة تعني صدور قرار بشن حرب وشيكة.

ثالثاً | لماذا 90 يوماً بالتحديد؟

عسكرياً، الرقم لا يعني أن الحرب ستبدأ خلال 90 يوماً، ولا أن البنتاغون يتوقع انتهاءها بعد ثلاثة أشهر.

إنه معيار للصمود اللوجستي: قدرة القواعد على الاحتفاظ بوظائفها الأساسية عندما تتوقف الإمدادات والخدمات المعتادة.

والأهم أن المشروع يكشف اعترافاً أميركياً بوجود نقاط ضعف في منظومة القوة العسكرية، خصوصاً الاعتماد على الشبكات المدنية والمصانع وسلاسل التوريد العابرة للقارات.

رابعاً | القراءة الجيوسياسية: ماذا يعني ذلك لمحور المقاومة؟

من منظور نقدي للسياسة الأميركية، تكشف هذه الاستعدادات تناقضاً لافتاً:

واشنطن التي دعمت الحروب والعمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة لعقود، باتت مضطرة إلى التفكير في كيفية حماية بنيتها العسكرية الداخلية من تداعيات حروب واسعة قد تشارك هي نفسها في إشعالها.

لقد افترضت الإدارات الأميركية طويلاً أنها تستطيع ممارسة الضغط العسكري والاقتصادي بعيداً عن أراضيها، مع الاحتفاظ بقدرة شبه مطلقة على التحكم بمستوى التصعيد.

لكن الحروب الحديثة أكثر تعقيداً؛ فالاستنزاف الاقتصادي والهجمات السيبرانية واضطراب التجارة قد يجعل تكلفة المواجهة تمتد إلى الدول التي تبدأها أيضاً.

وهنا تكمن أهمية تطور قدرات الردع لدى إيران وقوى المقاومة في المنطقة: رفع كلفة أي عدوان واسع، وتعقيد افتراض إمكانية خوض حرب قصيرة ومضمونة النتائج.

رأي المراقب | هل تخشى واشنطن الحرب أم تستعد لشنّها؟

الاحتمالان ليسا متناقضين.

فالجيوش ترفع جاهزيتها للدفاع عن نفسها، ولكن الاستعداد لحرب طويلة قد يمنح صانعي القرار أيضاً ثقة أكبر في قدرتهم على تحمّل تبعات التصعيد.

لذلك لا يجوز اعتبار FORTRESS دليلاً قاطعاً على اقتراب الحرب، ولا التعامل معها باعتبارها مجرد إجراء إداري عادي.

إنها مؤشر على أن المؤسسة العسكرية الأميركية باتت تتعامل بجدية أكبر مع احتمال انهيار افتراض أساسي: أن الولايات المتحدة تستطيع خوض الحروب الكبرى دون أن تتأثر بنيتها الداخلية بصورة مباشرة.

والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح على واشنطن اليوم:

إذا كنتم تستعدون لحماية قواعدكم العسكرية من تداعيات حرب عالمية، فلماذا تواصلون سياسات التصعيد التي قد تدفع العالم نحوها؟

الخلاصة: خطة FORTRESS لا تكشف موعد الحرب المقبلة، لكنها تكشف طبيعة الحرب التي يخشاها البنتاغون: حرب طويلة، متعددة الجبهات، لا تضمن فيها الولايات المتحدة سلامة خطوط إمدادها أو شبكاتها العسكرية داخل أراضيها .