في صباح يوم السبت الموافق 12 سبتمبر 2026، أصدرت اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية في سوريا نشرة سعرية جديدة، بموجبها ارتفع سعر لتر المازوت من 125 ليرة سورية إلى 175 ليرة، أي بنسبة 40%، وهو أعلى ارتفاع فردي منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.

كما ارتفع سعر لتر بنزين أوكتان 95 من 152 ليرة إلى 195 ليرة بنسبة 28.3%، وبنزين أوكتان 90 من 147 ليرة إلى 185 ليرة بنسبة 25.9%، فيما ارتفعت أسطوانة الغاز المنزلي بنسبة 8.8% إلى 1600 ليرة.

لم تمرّ هذه القرارات دون ردّ فعل شعبي. ففي غضون ساعات من دخول الأسعار الجديدة حيز التنفيذ فجر الأحد، اندلعت احتجاجات هي الأوسع في سوريا منذ الإطاحة بالأسد. أحرق المتظاهرون الإطارات وأغلقوا الطرق الرئيسية، بما في ذلك الطريق السريع الرابط بين دمشق وحلب، وامتدت المظاهرات إلى إدلب وحماة والحسكة ودير الزور والرقة والسويداء وريف دمشق. وردّد المحتجون شعارات تطالب بإقالة وزير الطاقة محمد البشير، ورفع بعضهم لافتات كتب عليها “لا لسياسة التجويع”.

رفعت الحكومة الأسعار رسمياً بسبب “ارتفاع تكاليف الشراء العالمية” و”الاعتماد الكبير على الواردات”، إضافة إلى دخول مصفاة بانياس في عملية صيانة شاملة تستمر شهرين. لكن هذه التبريرات لم تهدّئ الشارع، لأن القرار جاء بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير بعد سلسلة من الارتفاعات المتتالية التي أنهكت القدرة الشرائية للمواطن السوري منذ مطلع العام. فقد ارتفع سعر بنزين أوكتان 95 بنحو 86% منذ فبراير 2026، في حين تضاعف سعر المازوت أكثر من مرة.

أرقام تكشف عمق الأزمة

لكي نفهم لماذا كان قرار المحروقات بهذا الثقل، لا بد من النظر إلى ما تراكم قبله من أرقام.

في زمن بشار الأسد، كانت ربطة الخبز المدعوم تُباع بـ 200 ليرة سورية. أما اليوم، فسعرها الرسمي يبلغ 4000 ليرة، أي بزيادة عشرين ضعفاً. لكن القيمة الفعلية للربطة تراجعت أيضاً، إذ انخفض عدد الأرغفة من 12 إلى 8، وتراجع الوزن من 1500 غرام إلى 1050 غراماً.

أما الكهرباء، فقد كانت التعرفة المنزلية في شباط 2024 تبدأ من 10 ليرات للكيلوواط ساعة، بعد أن كانت 2 ليرات في مرحلة سابقة.

وفي تشرين الثاني 2025، أصبحت الشريحة الأولى 600 ليرة للكيلوواط ساعة حتى 300 كيلوواط، والشريحة الثانية 1400 ليرة.

مواطن كانت فاتورته في السابق لا تتجاوز 15 إلى 20 ألف ليرة، يدفع اليوم أكثر من 800 ألف ليرة، أي ما يعادل راتب شهر كامل لموظف حكومي.

أما الفقر، فقد كان مرتفعاً أصلاً في أواخر عهد الأسد. في عام 2022، قدّر البنك الدولي أن 69% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر (أي حوالي 14.5 مليون نسمة)، وأن 27% منهم في فقر مدقع، أي نحو 5.7 مليون شخص، وهو رقم لم يكن له وجود فعلي قبل اندلاع الحرب الأهلية عام 2011.

في أبريل 2025، صرّح وزير المالية السوري محمد يسر برنية بأن:

“ربع سكان سوريا تقريباً يعيشون في فقر مدقع، بينما يصل عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى ثلاثة أرباع السكان”.

وفي سبتمبر من العام نفسه، حدّث الرقم قائلاً إن نسبة الفقر “تتراوح بين 70 و90 بالمئة”.

وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، مقارنة بنحو الثلث قبل عام 2011.

السياق الذي يجب ألا يُنسى

من المهم التأكيد على نقطة جوهرية: هذه الأرقام القياسية في زمن بشار الأسد لم تكن في زمن سلم، بل في زمن حرب أهلية وعقوبات قصوى ومقاطعة إقليمية.

لقد كان الاقتصاد السوري تحت وطأة قانون قيصر، الذي فُرض في ديسمبر 2019 وفرض عقوبات ثانوية على أي جهة تتعامل مع الحكومة السورية أو تقدم لها التمويل، بما في ذلك قطاعات الطاقة والبناء والطيران.

ولم يُلغَ هذا القانون إلا في ديسمبر 2025، أي بعد عام كامل من سقوط الأسد، كجزء من قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي لعام 2026.

إلى جانب ذلك، كانت سوريا تعاني من مقاطعة دول الخليج، ومن انهيار لبنان المالي الذي كان يشكّل شرياناً حيوياً لتحويلات السوريين، ومن جائحة كوفيد-19، ومن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي رفعت أسعار الحبوب والطاقة عالمياً.

وكل هذه العوامل مجتمعة أدّت إلى انكماش الاقتصاد السوري إلى النصف بين عامي 2010 و2019، وتدهور البنية التحتية، وتراجع الخدمات الأساسية، وارتفاع البطالة.

المحروقات: الشرارة التي أشعلت الغضب

رفع أسعار المحروقات لم يكن مجرد قرار اقتصادي. في بلد أنهكته سنوات الحرب، المازوت يعني التدفئة في الشتاء، والبنزين يعني الحركة والعمل، والغاز يعني الطعام المطبوخ.

ولأن قطاعات النقل والزراعة والصناعة تعتمد على المازوت بشكل مباشر، فإن أي زيادة في سعره تنعكس فوراً على أسعار السلع والخدمات، من الخضار إلى أجرة التاكسي.