وصف الأمر بأنه مجرد «هدية» أميركية لمصر سيكون مضللاً.
ما حدث فعلياً أكثر دلالة: ماركو روبيو رفع قيوداً مرتبطة بحقوق الإنسان عن 320 مليون دولار من التمويل العسكري الأميركي لمصر، ما سمح بالإفراج عن أموال كان الكونغرس قد ربط صرفها بشروط محددة.
وزارة الخارجية الأميركية بررت القرار بشكل واضح، مشيرة إلى «الدور المفيد» لمصر منذ الحرب الأميركية–الإسرائيلية مع إيران، وإلى أهمية التعاون الأمني المصري بالنسبة للمصالح القومية الأميركية.
هذه الأموال تأتي ضمن نحو 1.3 مليار دولار تحصل عليها مصر سنوياً كمساعدات عسكرية أميركية، في إطار علاقة تعود جذورها إلى مرحلة ما بعد اتفاق السلام المصري–الإسرائيلي عام 1979.
والـ 320 مليون دولار ليست حقيبة أموال تُسلَّم للرئيس السيسي، بل تمويل عسكري يُستخدم في معظمه لشراء أسلحة ومعدات أميركية الصنع.
لكن الرسالة السياسية يصعب تجاهلها.
هذه القيود وُضعت أصلاً بسبب اتهامات مستمرة تتعلق بـ التعذيب، والاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، وتقييد حرية التعبير في مصر. لكن عندما رأت واشنطن أن تعاون القاهرة الإقليمي أصبح مهماً بما يكفي، تم تجاوز هذه الشروط.
وتشير رويترز إلى أن إدارات أميركية سابقة سبق أن حجبت أو أفرجت عن أجزاء من هذه المساعدات بحسب اعتبارات حقوق الإنسان والأمن القومي.
إذن… ماذا «دفعت» مصر مقابل ذلك؟
ما هو موثق هو تبادل استراتيجي قائم منذ عقود: مصر تحافظ على معاهدة السلام والتنسيق الأمني مع إسرائيل، وتتعاون بشكل وثيق مع واشنطن في أمن الحدود ومكافحة الإرهاب، ولعبت مراراً دور الوسيط في غزة، وكذلك — بحسب الولايات المتحدة — في ملفات مرتبطة بإيران.
وفي المقابل، تحافظ واشنطن على واحدة من أكبر علاقات المساعدات العسكرية في المنطقة.
وهنا يجب أن يتركز النقد.
إذا كانت شروط حقوق الإنسان تختفي فور أن تصبح الحكومة مفيدة استراتيجياً لواشنطن، فهذه الشروط تبدأ في الظهور كأوراق ضغط ومساومة أكثر من كونها مبادئ ثابتة.
والأكثر إثارة للانتباه أن رويترز أفادت بأن مذكرة لوزارة الخارجية الأميركية أشادت بـ «الدور المفيد» لمصر بعد عملية Epic Fury، لكنها لم توضح علناً ما طبيعة هذا الدور تحديداً. كما لم تصدر مصر تعليقاً فورياً.
لذلك، السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت واشنطن قد «منحت مصر 300 مليون دولار».
السؤال الأصعب هو:
ما نوع التعاون الإقليمي الذي اعتبرته واشنطن مهماً إلى درجة تبرر تجاوز شروط حقوق الإنسان التي فرضها الكونغرس على 320 مليون دولار — ولماذا لم يتم حتى الآن توضيح طبيعة هذا التعاون للرأي العام؟
وهذا سؤال يستحق التدقيق من المصريين بقدر ما يستحقه من الأميركيين.

