أهم تطور خلال الساعات الـ24 الماضية ليس إطلاق صاروخ جديد.
بل إن واشنطن وطهران تتحركان بهدوء مجددًا نحو المفاوضات — لأن كلفة استمرار أزمة هرمز باتت تزداد صعوبة على الطرفين.
ما الذي تغيّر اليوم؟
▪️ تستعد قطر لعقد محادثات منفصلة مع إيران والولايات المتحدة، فيما بقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في نيويورك، بينما يعمل الوسطاء على صيغة معدّلة من المقترح الإيراني الممتد لسبعة أيام. وحتى الآن، لم يتم الإعلان عن أي محادثات مباشرة بين واشنطن وطهران.
▪️ رفض ترامب علنًا المقترح الإيراني الأصلي، لكن القناة الدبلوماسية لا تزال مفتوحة بقوة. ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين حديثهم عن «تقدم طفيف» وإشارات إيجابية خلال عطلة نهاية الأسبوع، في وقت يحاول الوسطاء تقليص الفجوة بين الطرفين.
▪️ المقترح الإيراني واضح من حيث المبدأ: ترفع واشنطن الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، وتفرج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وتخفف العقوبات النفطية؛ وفي المقابل تعيد إيران فتح مضيق هرمز وتعود إلى المفاوضات النووية. كما يتضمن المقترح السعي إلى إنهاء أوسع للأعمال القتالية، بما في ذلك جبهة لبنان.
لكن مركز الضغط الحقيقي هو واشنطن.
بمجرد أن رفض ترامب المقترح، تحركت أسعار النفط.
ارتفع الخام الأميركي بنحو 3.5% إلى 95.60 دولارًا، بينما وصل خام برنت إلى نحو 107.86 دولارات. وفي الوقت نفسه، واصلت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل الارتفاع، إذ بلغ عائد السندات لأجل 30 عامًا أعلى مستوى له منذ عام 2004، فيما باتت الأسواق تسعّر احتمالًا يقارب 70% لرفع جديد للفائدة من الاحتياطي الفيدرالي في أكتوبر.
وهنا يتحول هرمز من مجرد ساحة مواجهة بحرية إلى أزمة تضرب الداخل الأميركي مباشرة.
فكل أسبوع إضافي من الاضطراب ينعكس على أسعار الوقود، وتوقعات التضخم، والفوائد، والأسواق المالية داخل الولايات المتحدة نفسها.
أما الفاتورة العسكرية، فهي ضخمة أصلًا.
تشير أحدث التقديرات العسكرية الأميركية إلى أن الكلفة المباشرة للحرب مع إيران بلغت 43.6 مليار دولار حتى 3 سبتمبر. وقد قُتل 18 عسكريًا أميركيًا وأصيب أكثر من 830 آخرين، فيما بلغت كلفة الذخائر الأميركية المستخدمة وحدها 28.1 مليار دولار. كما تحدثت أسوشيتد برس عن مخاوف جدية من تراجع مخزون صواريخ الاعتراض، رغم أن البنتاغون ينفي أن تكون القوات الأميركية تفتقر إلى الأسلحة اللازمة للعمليات الحالية.
بمعنى آخر، واشنطن تدفع الثمن مرتين: مرة في الميدان، ومرة أخرى داخل اقتصادها.
إيران أيضًا تتعرض لضغط كبير.
الحصار البحري الأميركي والعقوبات يقيّدان صادرات النفط الإيرانية ويزيدان الضغط على اقتصاد يعاني أصلًا، وهو ما يفسر طرح طهران آلية سريعة لمدة سبعة أيام بدل الدخول في مفاوضات مفتوحة بلا سقف زمني.
لكن طهران لا تزال تملك ورقة تفاوضية شديدة الأهمية: مضيق هرمز.
المضيق ليس مغلقًا بالكامل. فقد تعافت تدفقات النفط خلال سبتمبر إلى نحو 7.4 ملايين برميل يوميًا، لكن صادرات المنطقة لا تزال أقل بنحو 6 ملايين برميل يوميًا مقارنة بمستويات فبراير، قبل الحرب. وقبل اندلاع القتال، كانت نحو 125 سفينة تجارية كبيرة تعبر المضيق يوميًا.
الصورة الاستراتيجية باتت واضحة:
إيران لا تستطيع مواصلة الضغط عبر هرمز إلى ما لا نهاية من دون أن تتضرر هي أيضًا.
لكن واشنطن بدورها لا تستطيع الاستمرار في القتال حول هرمز إلى أجل غير مسمى، وهي تتحمل في الوقت نفسه ارتفاع الإنفاق العسكري، واستنزاف مخزون السلاح، وغلاء النفط، وعودة الضغوط التضخمية في الداخل.
ولهذا، ورغم التهديدات العلنية والمقترحات المرفوضة، لا يزال الدبلوماسيون يتحدثون.
المعركة حول هرمز تتحول تدريجيًا إلى معركة استنزاف وصمود — والضغط لم يعد محصورًا في الخليج الفارسي، بل بات يصل مباشرة إلى ميزانية واشنطن، وسوق الطاقة الأميركي، وحسابات الاحتياطي الفيدرالي.

