بغداد

حضر البروفيسور سلمان الرواف، أستاذ الصحة العامة في إمبريال كوليدج لندن، ضيفاً رئيسياً في «مؤتمر العراق للتعليم» بجامعة بغداد.

كان المفترض أن يلقي كلمة افتتاحية عن تطوير التعليم، والذكاء الاصطناعي، والمناهج، والتفاعل بين التخصصات. لكن ما حدث لم يكن محاضرة، بل مشهداً مكشوفاً عن حضور بلا إنصات، وانتهى بمواجهة تحقير علني.

بعد مغادرة الوزير، بدأ الجمهور يفقد انتباهه. بعض القنوات سحبت ميكروفوناتها من على المنصة. عندها قال البروفيسور جملته الشهيرة:

«إن كنت لا تستحي فافعل ما شئت»!

ثم زاد الغضب، واصفاً ما يحدث بأنه «كله استعراض وتجارة»!

والحال أن ما كان يقوله في تلك اللحظات، بحسب الفيديو المتداول، هو بالضبط نقدٌ لانفصال الطلاب عن المحاضرة:

«الجيل الجديد لا يريد أن يسمعك تلقّن؛ يريد أن يسمع تجربتك».

أي أنه كان يشرح سبب عدم الإنصات… بينما لا أحد ينصت له.

تهديد المنزلة لا مجرد إهانة

من منظور نفسي-اجتماعي، لم يكن ردّ فعل البروفيسور مجرد غضب على «سوء أدب» صحفي.

كان تهديداً لمنزلته العلمية. فالشخصية الاعتبارية التي بُنيت عبر سنوات من المكانة الأكاديمية، وجدت نفسها فجأة أمام جمهور يسحب منها الاعتراف الرمزي.

في نظرية «الوجه» عند غافمان وبراون وليفنسون، سحب الميكروفون هو فعل مهدِّد للوجه. والردّ عليه بإهانة جمعية لم يكن قوة، بل كشفاً عن هشاشة منزلته: من يثق بمنزلته لا يحتاج إلى معاقبة الجمهور كي يعود إليه.

اللغة كأداة عرض ودرس

اللافت أن البروفيسور بدأ محاضرته بالإنجليزية، وهي لغة العلم والسلطة الرمزية.

لكنه لم ينتقل إلى العربية أو اللهجة الدارجة إلا في اللحظة التي أراد فيها أن يهين.

هذا ما يسميه علماء اللغة الاجتماعية «التبديل الرمزي للغة»: تغيير اللغة ليس لأجل الفهم، بل لأجل تنظيم المسافة والسلطة.

الإنجليزية أعلنت: «أنا فوق، أنا العلم». والعامية أعلنت: «أنتم تحت، أنتم من ألقّنكم درساً». وبذلك تحوّلت المنصة من مكان لنقل المعرفة إلى آلية لتنزيل المنزلة.

الخسارة في صلب الموضوع

المفارقة الكبرى أن البروفيسور خسر بالضبط في الموضوع الذي كان يتحدث عنه. كان يقول: الجيل الجديد لا يريد التلقين، يريد التجربة. ثم فعل عكس ذلك تماماً: خطب، وبّخ، هدّد، واستخدم سلطة المنصة.

لم يشارك تجربة، ولم يفتح حواراً، ولم ينزل إلى مستوى الجمهور. لقد أنتج نفس المحاضرة المملة التي كان ينتقدها. هذا ما يمكن تسميته تناقضاً أدائياً: أن يدمّر المتحدث حجته بأسلوب تقديمه. كان بإمكانه أن يقول: «هذا دليل حي على ما أقول»، لكنه اختار أن يعاقب الجمهور على أنه لم يستمع.

شلال الغضب الأخلاقي

غالبيّة ساحقة من التعليقات والمواد المتداولة عن المحاضرة لم تنتقد البروفيسور، بل انقلبت على الصحفيين والقنوات التي سحبت الميكروفونات. هنا يظهر ما يسمى «شلال الغضب الأخلاقي».

المجتمع لم يعدل عن الحادثة؛ بل اختار ضحايا جدداً ليجلدهم. فبعد أن مسّت الإهانة كرامة الجميع، احتاج الجمع إلى ترميم جماعي عبر إدانة «المذنب» الأوضح: الصحفيين.

لكن هذا الترميم لا يعالج الجرح، بل يعيد إنتاجه: إذ يحوّل النقاش من «لماذا لا ننصت؟» إلى «من الذي سحب الميكروفون؟».

خاتمة

حادثة البروفيسور الرواف ليست قصة «معلم قاسٍ» فقط، بل مشهد مركّب: منزلة علمية شعرت بالتهديد، فلجأت إلى اللغة والتحقير لاستعادة السلطة؛ وجمهور شوّهته الإهانة، فلجأ إلى جلد الصحفيين لترميم كرامته.

لكن السؤال الأهم ليس لماذا غضب، بل لماذا قبلناه.

لماذا تُقبل الإهانة حين تأتي من فوق: من بريطانيا، بالإنجليزية، من جامعة مرموقة، من خمسة آلاف ميل؟

كأن المسافة الجغرافية واللغة والشهادة تمنح صاحبها حق التوبيخ. والأدهى أن المجتمع لم يكتفِ بقبول الإهانة، بل أخذ منه أداة الجلد وأكمل بها جلد نفسه، كأنه يقول: «أنت محق في احتقارنا، ونحن سنُكمل المهمة نيابةً عنك».

هذا ليس تقديراً للمكانة العلمية، بل خضوعٌ لسلطة رمزية. الإهانة التي كان يمكن أن تفضح خسارته في صلب موضوعه، تحوّلت إلى دليل على صدقه، لأنها جاءت من «الخارج».