لم يكن صعود مسعود بزشكيان إلى رئاسة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في يوليو 2024 مجرد حدث انتخابي عابر، بل كان تتويجاً لجهود محور إصلاحي قاده رجلان يحملان اسم «محمد جواد»: محمد جواد ظريف ومحمد جواد آذري جهرمي.

فقد أدى ظريف دوراً محورياً في الحملة الانتخابية لـبزشكيان، وبفضل شعبيته الواسعة استطاع أن يغيّر موازين الجولة الثانية من الانتخابات لصالحه.

وبعد فوزه، عيّن بزشكيان ظريف نائباً له للشؤون الاستراتيجية، ليكون العقل المدبر لاختيار وزراء الحكومة والمهندس الرئيسي لسياساتها.

وفي سبتمبر 2024، رافق ظريف الرئيس بزشكيان إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل أيام فقط من اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله.

وفي تلك الفترة، وبعد جريمة تفجير أجهزة البيجر في لبنان، عقد بزشكيان لقاءً جانبياً مع مديري وسائل الإعلام الأمريكية، صرّح فيه:

بأن إيران مستعدة لإلقاء سلاحها إذا فعل الآخرون الشيء نفسه.

وقد أثارت هذه التصريحات، التي يعتقد المراقبون أنها جاءت بـصياغة ظريفية، ارتياحاً إسرائيلياً واضحاً، إذ أكدت أن الحكومة الإيرانية الجديدة لن تطلق صرخة مدوية إذا ما نُفذت عملية الاغتيال، وهو ما حدث فعلاً بعد أيام قليلة.

ومع أن ظريف قدّم استقالته من منصبه في مارس 2025، إلا أن حقيقة استقالته تحتاج إلى توضيح. فالقانون الإيراني المتعلق بالوظائف الحساسة كان واضحاً منذ البداية: يُمنع تعيين من يحمل أبناؤه جنسية مزدوجة في المناصب السيادية. وقد اعتُبر تعيين ظريف نائباً للرئيس «انتهاكاً واضحاً للقانون» منذ اللحظة الأولى، لأنه يحمل الجنسية الأميركية لأبنائه.

وبعد أشهر من الضغوط البرلمانية والمتابعة القانونية، أُجبر ظريف على تقديم استقالته، لا كتنازل تطوعي بل كإخضاع للقانون الذي كان يجب أن يُطبَّق منذ البداية.

لكن استقالته الشكلية لم تعنِ خروجه من دائرة صنع القرار. فلا يزال ظريف مهيمناً على القرار في حكومة بزشكيان، ولمساته واضحة في خطابات الرئيس وقراراته المصيرية.

فقد نشر ظريف مقالاً في `مجلة «فورين أفيرز»` الأميركية طرح فيه ما وصفه بـ«مبادرة سلام»، لكن المحللين اعتبروه «سلاماً مفخخاً بالهيمنة» وفرض أمر واقع على دول الجوار، وتركيزاً على استرضاء الإدارة الأميركية بمنطق الصفقات.

ورغم ردود الفعل الغاضبة داخل أوساط النظام، ما لبثت هذه الأطروحة أن ترجمت عملياً في مفاوضات إسلام آباد ومذكرة التفاهم التي وُقّعت إلكترونياً بين بزشكيان والرئيس الأميركي ترامب في يونيو 2026، والتي تضمنت بنوداً تتعلق بإنهاء الحرب ورفع الحصار البحري.

وقد صرّح ظريف نفسه بأن طهران «أظهرت جديتها» بإرسال فريق تفاوضي يملك سلطة اتخاذ القرار إلى إسلام آباد.

وفي مقابلات بزشكيان الأخيرة في الأمم المتحدة، تجلت هذه اللمسات الظريفية بوضوح أكبر، حين تحدث عن تسليم اليورانيوم المخصب، وعن أن إيران لا تنوي الانتقام ولا الثأر من قتلة السيد القائد.

واليوم يظهر ظريف مجدداً ليكشر عن أنيابه في وجه إحدى ركائز القوة الإيرانية في المنطقة، وهي قوة القدس، ويهاجمها علناً، كما فعل سابقاً مع المشروع النووي حين أجهض جزءاً كبيراً منه عبر الاتفاق النووي الإيراني عام 2015.

وهكذا يكشف أن مشروعه الحقيقي هو تفكيك مصادر القوة الإيرانية واحدة تلو الأخرى، تحت ذريعة «تحويل النظرة من التهديد إلى الفرص».