ظهر على قنوات التواصل الاجتماعي مؤخرا فيديو اخذ في عام 1997، حيث وقف جو بايدن، وكان حينها عضواً بارزاً في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، في معهد Atlantic Council ساخراً من التحذيرات الروسية من توسع الناتو شرقاً.
وحين حذّرت موسكو من أن الضغط الغربي قد يدفعها إلى التقارب مع الصين وإيران، ردّ بايدن وسط ضحكات الحضور:
«أتمنى لهم حظاً سعيداً مع الصين… وإذا لم ينجح ذلك، فربما يجربون حظهم مع إيران».
بعد نحو ثلاثة عقود، تبدو تلك السخرية أشبه بوثيقة تاريخية عن حجم سوء التقدير الاستراتيجي في واشنطن.
روسيا والصين لم تبتعدا… بل اقتربتا أكثر.
تحولت العلاقة بين موسكو وبكين إلى شراكة استراتيجية عميقة، مدفوعة بالمصالح الاقتصادية والطاقة والأمن والتكنولوجيا، وبحاجة الطرفين إلى تقليص الاعتماد على المنظومة الغربية.
وإيران لم تُعزل كما أرادت واشنطن.
بل أصبحت جزءاً أكثر رسوخاً في المعادلات الروسية والصينية، واندمجت في مؤسسات مثل منظمة شنغهاي للتعاون وبريكس، بينما عززت علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع القوى الصاعدة.
أما العقوبات وسلاح الدولار، فقد أنتجا نتيجة عكسية.
كلما توسعت واشنطن في استخدام العقوبات والحصار المالي، ازدادت الحوافز لدى خصومها وشركائها للبحث عن العملات الوطنية، وأنظمة دفع بديلة، وشبكات تجارة أقل اعتماداً على المؤسسات المالية الغربية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
واشنطن حاولت منع ظهور كتلة منافسة… فانتهت سياساتها إلى تسريع تشكلها.
لم يكن العالم أحادي القطبية قدراً أبدياً. لقد كان نتيجة ظرف تاريخي مؤقت، وحين بدأت موازين القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية تتغير، بدأ النظام نفسه بالتغير.
اليوم، لم تعد المسألة مجرد صعود الصين أو عودة روسيا أو صمود إيران.
المسألة أعمق من ذلك:
انتقال تدريجي من عالم تملك فيه قوة واحدة القدرة على فرض قواعد اللعبة، إلى عالم تتوزع فيه القوة بين عدة مراكز.
وهذا هو جوهر التعددية القطبية.
السخرية التي أطلقتها واشنطن عام 1997 لم تختفِ.
لكن التاريخ قلب معناها.
ما اعتُبر حينها تحالفاً مستحيلاً، أصبح اليوم أحد ملامح النظام الدولي الجديد.
والسؤال لم يعد: هل سينتهي العصر الأحادي القطبية؟

