خلال أيام قليلة فقط، ظهرت ثلاث صور تبدو منفصلة: طهران تنفي تقارير عن مفاوضات جديدة وتتهم بعض التسريبات بمحاولة التأثير في أسعار النفط، تقارير أميركية تكشف إصابة جنود مشاة بحرية بصاروخ إيراني في مضيق هرمز، ثم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يعلن أن بلاده مستعدة حتى لـ
«حرب يوم القيامة»
إذا استؤنفت الهجمات الأميركية.
لكن هذه ليست ثلاث قصص منفصلة. إنها أجزاء من معركة واحدة تدور في الوقت نفسه بالسلاح، والدبلوماسية، والطاقة والأسواق.
أولاً: طهران ورسائل “المفاوضات”
في 25 سبتمبر، نفى مصدر إيراني مطلع تقارير عن جولة جديدة من المفاوضات وذهاب خبراء إيرانيين إلى نيويورك، وقال إن نشر هذه الأخبار يهدف إلى التأثير في الأسواق وأسعار النفط. وبالفعل، كانت مجرد التقارير عن احتمال التوصل إلى اتفاق بشأن هرمز كافية لدفع أسعار الخام إلى التراجع خلال ساعات.
لكن الصورة تغيرت بسرعة. آخر التطورات تشير إلى أن قنوات الوساطة تعمل فعلاً الآن: الولايات المتحدة وإيران تجريان اتصالات منفصلة مع الوسطاء في محاولة للتوصل إلى تسوية، بعدما قدمت طهران خطة من سبعة أيام تربط إعادة فتح مضيق هرمز بوقف الأعمال القتالية، ورفع الحصار الأميركي والعقوبات، والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة، ثم استئناف الملف النووي. الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفض الصيغة الإيرانية كما طُرحت، لكن الوسطاء ما زالوا يحاولون تضييق الفجوة بين الطرفين.
وهنا تكمن نقطة مهمة: في هذه الحرب، خبر واحد عن هرمز أصبح قادراً على تحريك أسواق العالم قبل أن تتحرك سفينة واحدة.
عندما تظهر أخبار عن تسوية، ينخفض النفط. وعندما تنهار الآمال، ترتفع الأسعار والعوائد على السندات وتتعرض الأسهم للضغط. يوم الاثنين وحده ارتفع النفط مجدداً بعد رفض ترامب المقترح الإيراني، بينما تراجعت وول ستريت وارتفعت عوائد الخزانة الأميركية وسط مخاوف من عودة التضخم.
وهذا يعني أن هرمز لم يعد مجرد مضيق بحري؛ أصبح أداة ضغط اقتصادي عالمية.
ثانياً: الصاروخ الذي أصاب الأميركيين في هرمز
القصة العسكرية أكثر حساسية.
وفق مسؤولين أميركيين تحدثوا لوسائل إعلام أميركية، أصاب صاروخ إيراني مضاد للسفن في 14 سبتمبر سفينة في مضيق هرمز كان يعمل على متنها جنود من مشاة البحرية الأميركية.
وأصيب ثمانية من المارينز باستنشاق الدخان وأعراض محتملة لارتجاجات وإصابات دماغية رضّية، قبل أن يعودوا لاحقاً إلى الخدمة. ولم تكن السفينة تابعة للبحرية الأميركية، ولم يكشف المسؤولون عن نوعها. كما لم يعلن البنتاغون أو القيادة المركزية الأميركية الحادث عندما وقع.
عسكرياً، أهمية الحادث أكبر من عدد المصابين.
إيران لا تحتاج إلى إغراق حاملة طائرات أميركية حتى تغيّر الحسابات.
يكفي أن تثبت أن القوات والسفن العاملة في منطقة هرمز تبقى داخل نطاق تهديد الصواريخ الساحلية، والصواريخ المضادة للسفن، والمسيّرات، والألغام والقوارب السريعة.
هذه هي طبيعة الجغرافيا هناك: الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً هائلاً في القوة الجوية والبحرية التقليدية، لكن إيران تقاتل قرب ساحلها وفي منطقة ضيقة تستطيع فيها نشر أعداد كبيرة من منظومات أرخص بكثير من السفن التي تحاول استهدافها.
وبالتالي فإن كل سفينة تدخل هذا المجال تدخل أيضاً في معادلة الكلفة والمخاطر والتأمين.

