سؤال يُطرح اليوم في الشارع اللبناني بمرارة شديدة: هل السلطة اللبنانية مخدوعة بالفعل، أم أنها تمارس الخداع على نفسها وعلى شعبها؟
ما يشهده ملف تبادل الأسرى والمفاوضات الأمنية مع الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن تصنيفه إلا في خانة العجز السياسي والاستخفاف الكامل بكرامة الدولة وسيادتها.
معادلة خاسرة وأسرى خارج القوائم
في تفاصيل الصفقة الأخيرة، يتضح حجم الخلل في إدارة المفاوضات. تُفرِج إسرائيل عن 5 معتقلين فقط، لتكشف المعلومات أن القائمة تضم أسرى سوريين (أسعد الحسيكة ووسام إبراهيم الصماوي) إلى جانب لبنانيين (علي شور وحسين عياش)، وهم أشخاص لم تكن أسماؤهم حتى مدرجة ضمن القوائم الرسمية التي وزعتها هيئة الأسرى سابقاً.
والأنكى من ذلك، أنه وفي الوقت الذي يُحسب فيه هذا الإفراج كـ"إنجاز" للتفاوض اللبناني، يواصل الاحتلال عمليات الخطف اليومية؛ حيث أقدمت قواته على خطف 3 أشخاص آخرين من الأراضي اللبنانية لتبدو العملية برمتها وكأنها باب دوار يُغلق على أسرى ليعود ويفتح على معتقلين جُدد.
تسليم الأرض وتفتيش المقابر
لم يتوقف الاستخفاف عند حدود إدارة ملف الأسرى، بل امتد وفق ما يتداوله إعلام العدو إلى قيام السلطة اللبنانية بتسليم الكيان خرائط وصوراً لمقابر ومواقع داخل الأراضي اللبنانية تُشتبه في وجود رفات أو أدلة تعود لجنود صهاينة.
أن تُقدم دولة على فتح أراضيها ومقابرها لتلبية المكونات الأمنية للعدو، دون الحصول على أثمن ما يخصها من كشف لمصير المفقودين اللبنانيين أو فرض شروط سيادية صارمة، يعكس حالة من ارتهان القرار الرسمي.
قضية مالك غازي: نموذج للخطف والالتفاف
تأتي هذه التطورات تزامناً مع ما جرى يوم الخميس، 3 أيلول 2026، حيث تسلمت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني الشاب مالك كمال غازي (20 عاماً) عبر معبر الناقورة برعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
مالك غازي، ابن بلدة عين عطا في قضاء راشيا، اختُطف في تشرين الأول 2025 في كمين أمني أثناء ممارسته الرياضة بين عين عطا وراشيا الوادي، ونُقل إلى داخل الأراضي المحتلة. ورغم أن إرجاعه جرى عبر بروتوكول تسليم رسمي ومواكبة إعلامية، إلا أن تسويق العملية وكأنها "بادرة حسن نية" أو إنجاز دبلوماسي يتجاهل الحقيقة الأساسية: مالك كان مواطناً مدنياً أُخذ كرهينة من داخل أرضه، وإعادته ليست فضلاً من الاحتلال بل حق مسلوب.
أكثر من 35 أسيراً تحت الاحتجاز
أمام هذا المشهد الذي يكتفي فيه القرار الرسمي بالاحتفال بإطلاق سراح أعداد ضئيلة خضعت لشروط العدو وتوقيته، يبقى التذكير بالحقيقة الصارخة: أكثر من 35 معتقلاً لبنانياً لا يزالون يقبعون في زنازين الاحتلال الإسرائيلي.
إن السلوك السياسي الحالي يثبت أن إدارة الملف لا تتم من موقع الندّية أو الحفاظ على السيادة، بل عبر التفريط بالحقوق وتوزيع الأوهام. وما لم تتغير آلية التعامل مع ملف المعتقلين والانتهاكات الحدودية، ستظل السلطة اللبنانية الطرف الأضعف في معادلة يفرض فيها العدو شروطه بالكامل.

