إذا كان التفاوض المهين مع الاحتلال يمثل هدرًا صريحًا للسيادة، فإن ملف ما يُسمى ب
ـ"الهبات العسكرية"
للجيش اللبناني يكشف عن مدى الاستخفاف والاستنفاد السياسي الذي وصلت إليه الطبقة الحاكمة.
تصريحات رئيس تحرير صحيفة "عكس السير" شادي منصور، نقلاً عن مرجع أمني، تسلط الضوء على فاجعة جديدة في أداء السلطة السياسية. الهبة اليونانية الأخيرة التي جرى الترويج لها بحفاوة—والتي تضمنت آليات عسكرية ومدرعات (مثل ناقلات M113 وشاحنات قديمة)—تبين أنها ليست سوى عالة ثقيلة ومستودعات خردة على شكل آليات.
خجل سياسي على حساب المؤسسة العسكرية
التقرير الأمنـي يكشف أن المنظومة السياسية خجلت من مصارحة الجانب اليوناني بالحقيقة: إن هذه الآليات خرجت من الخدمة منذ أكثر من عقدين، وتحتاج إلى صيانة شاملة، وإطارات، وبطاريات تتجاوز تكلفتها الإجمالية سعر شراء آليات حديثة وجاهزة للعمل.
وبدلاً من اتخاذ موقف سيادي يرفض تحويل الجيش إلى سلة مهملات للمعدات المنسقة دولياً، طلبت القيادة السياسية—خوفاً من
"كسر خاطر"
الواهبين—توزيع هذه الآليات على الثكنات لاستخدامها كمستودعات ثابتة للتخزين!
انحطاط القرار الرسمي وتدمير ما تبقى من الدولة
هذه الفضيحة تضع قيادة السلطة الرسمية، برئاسة الرئيس جوزيف عون ورئيس حكومته نواف سلام ، في موقع الاتهام المباشر بالتواطؤ في تدمير هيبة المؤسسة العسكرية وما تبقى من مقومات الدولة:
غياب النخوة والسيادة: عندما تصبح مراعاة "مشاعر" الدول الخارجية أولوية تعلو فوق كرامة الجيش واحتياجاته الفعلية، تتحول الدولة إلى كيان متسول يقبل حتى الفضلات الهيكلية دون قدرة على الاعتراض.
إهدار الموارد وتراكم الأعباء: تحميل الجيش تكاليف نقل وتخزين حطام متآكل تحت شعار "النوايا الإيجابية" هو إهدار مباشر للموارد الشحيحة في وقت تعاني فيه المؤسسة من أزمة تمويل وتجهيز حادة.
صورة للخارج وتخدير للداخل: في الوقت الذي يزور فيه المسؤلون العواصم الغربية للترويج لخطط إعادة الانتشار والتسلح، تُقبل في الخفاء صفقات الخردة لتسويقها إعلامياً كـ
"دعم دولي"،
بينما الواقع يثبت أنها مجرد استعراض فارغ لا يخدم إلا البروباغندا.
إن الدولة التي تتسلم خردة وتستحي من طلب أبسط حقوقها التشغيلية، هي دولة فقدت بوصلة العزة الوطنية والمسؤولية السياسية، وما يجري اليوم ليس سوى استكمال لمسار التفكيك الممنهج لما تبقى من هيكل الدولة اللبنانية.

