موازين دمشق الجديدة: حكامة الشارع، ترحيل معتقلي "داعش"، ومقامرة ترامب ببديل الوكالة

بعد مرور ثمانية عشر شهراً على سقوط النظام البعثي، تسعى الإدارة الانتقالية في سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع (الجولاني) جاهدةً للتحول من فصيل مسلح إلى سلطة مركزية سيادية.
يواجه هذا التحول اختبارات ميدانية معقدة، تتركز في احتواء خلايا تنظيم "داعش"، وإعادة صياغة العلاقة مع القوى الكردية، والتعامل مع المحاولات الدولية لتوظيف دمشق في مواجهة قوى المنطقة.
جبهة "داعش" الميدانية وملف المعتقلين
رغم الأصول الأيديولوجية المتباعدة في الفضاء الإسلامي، فإن الصدام بين حكومة الشرع وتنظيم "داعش" يتخذ طابعاً صفرياً. وتواصل وزارة الداخلية الانتقالية، برئاسة أنس خطاب، عملياتها الأمنية والعسكرية لتفكيك خلايا التنظيم في البادية والمناطق الوسطى.
وفي تطور استراتيجي مطلع عام 2026، ومع تقدم القوات الحكومية شرقاً لتسلم مراكز الاحتجاز والسجون في الرقة ودير الزور، وتفادياً لسيناريوهات فرار جماعي قد تزعزع الاستقرار الهش، تدخل الجيش الأمريكي بشكل مباشر. وبالتنسيق مع السلطات في دمشق، نفذت القوات الأمريكية عملية نقل واسعة لآلاف من عناصر وقادة "داعش" المصنفين عالي الخطورة من سجون شمال شرق سوريا إلى منشآت احتجاز مؤمنة داخل الأراضي العراقية. هذا الإجراء أزاح عبئاً أمنياً داهماً عن كاهل حكومة الشرع، وعكس في الوقت ذاته مستوى من البراغماتية الميدانية في التعامل بين دمشق والقيادة المركزية الأمريكية.
دمج "قسد" وإنهاء الهوية الانفصالية
على الصعيد الداخلي، وبعد مواجهات عسكرية حادة شهدها مطلع شهر يناير 2026 في محيط حلب وأريافها الشرقية أدت إلى نزوح نحو 148 ألف مدني، اتجه الطرفان نحو تسوية فرضتها المعطيات الميدانية:
في 16 يناير 2026، أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوماً اعتبر فيه الأكراد "مكوناً أساسياً من الشعب السوري"، معتمداً اللغة الكردية كلغة وطنية.
وفي 30 يناير، وبتنسيق غير مباشر رعاه المبعوث الأمريكي توم باراك، تم توقيع اتفاق دمج شامل قضى بإنهاء صيغة الإدارة الذاتية؛ حيث بدأت وزارة الدفاع بدمج ألوية ووحدات "قوات سوريا الديمقراطية" (بما فيها وحدات حماية المرأة الكردية YPJ) ككتل نظامية كاملة ضمن قوام الفرقتين العسكريتين للحسكة وحلب التابعتين للجيش السوري.
خط الحجاز السككي**
دبلوماسياً واقتصادياً، تسعى دمشق لتثبيت موقعها الإقليمي عبر مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود. ففي 10 يونيو 2026، وقعت تركيا والمملكة العربية السعودية مذكرة تفاهم لإعادة إحياء "خط سكة حديد الحجاز" التاريخي. ويهدف المشروع إلى ربط السعودية برياً عبر الأردن وسوريا (مروراً بدمشق وحلب) وصولاً إلى تركيا ومنها إلى أوروبا. هذا الممر اللوجستي، الذي تقدمه أنقرة والرياض كبديل للممرات البحرية المضطربة جراء إغلاق مضيق هرمز المستمر والتوترات الملاحية، يمنح الجغرافيا السورية دوراً حيوياً كحلقة وصل اقتصادية بين الخليج وأوروبا.