بغداد
نشرت "إندبندنت عربية" خبراً مفاده أن عملية حصر السلاح قد تبدأ بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة قبل بقية أنواع الأسلحة.
الخبر، بحد ذاته، ليس مجرد معلومة عابرة، بل مؤشر على أن ملفاً استراتيجياً بامتياز بات مطروحاً على طاولة النقاش، تحت ضغط خارجي مباشر.
1⃣ هذا ليس انضباطاً داخلياً
ما يجري لا علاقة له بأي "انضباط داخلي" أو إعادة هيكلة سيادية. المعطيات تؤكد أن الأمر يتم بـضغط أمريكي مباشر.
مصدر في مكتب رئيس الوزراء أكد أن واشنطن أبلغت الحكومة العراقية بضرورة أن يكون كل ما يجري في هذا الملف فعلياً لا شكلياً، وأنها على اطلاع تام على التفاصيل كلها، بما في ذلك أعداد الأسلحة ومواصفاتها.
هذا إفصاح إجباري تحت التهديد.
2⃣ لماذا الحديث عن الصواريخ والمسيّرات تحديداً؟
الصواريخ والمسيّرات أسلحة استراتيجية ردعية وليست أسلحة أمن داخلي.
لا أحد يطلب من السعودية أو تركيا أو أي دولة أخرى أن تُفصح عن عدد صواريخها وأماكن تصنيعها. لكن يُطلب من العراق ذلك.
البدء بهذه الأسلحة تحديداً يعني أن الهدف ليس "ضبط السلاح المنفلت"، بل نزع قدرة الردع الاستراتيجي من الدولة.
3⃣ لماذا فتح هذا الباب وصمة عار؟
حتى لو لم ينفذ التسليم فعلاً — رغم الضغوط الحقيقية — مجرد فتح باب هذا النقاش حول ترسانة استراتيجية تحت إشراف أمريكي هو تنازل عن السيادة الدفاعية، وسيبقى وصمة عار في جبين الحكومة ومن جاء بها (الإطار).
4⃣ الأهداف الحقيقية
الأهداف واضحة ومكشوفة:
• معرفة العدد الحقيقي للصواريخ والمسيّرات
• معرفة أماكن التصنيع
• معرفة المواصفات والقدرات
وهذا يعني تجريد العراق من قدرته على الردع الذاتي. عندما تعرف واشنطن وخصوم العراق كل تفاصيل ترسانته، يصبح العراق مكشوفاً تماماً في أي أزمة.
5⃣ ماذا لو رحلت القوات الأمريكية؟
هناك نقاش فُتح بأن القوات الأمريكية ستغادر أرض العراق في نهاية الشهر الحالي (أيلول)، وحتى بدأت بعض الاحتفالات المبكرة بهذا "الإنجاز" غير الواضح.
لكن السؤال ليس: "هل رحلت القوات الأمريكية؟" بل: "هل غادرت أمريكا المنطقة؟"
والجواب واضح من الأرقام: لا.
50 ألف جندي أمريكي، وحاملتا طائرات، وأكثر من عشر سفن حربية لا تزال في المنطقة. هذه ليست مؤشرات انسحاب، بل إعادة تموضع. إن واشنطن تدرس إعادة هيكلة وجودها العسكري، مع نقل بعض المنشآت الحساسة تحت الأرض لحمايتها — أي أنها تعزز حضورها ولا تتراجع.
وهذا هو الجوهر: حتى لو انسحبت القوات الأمريكية من العراق بحلول 30 أيلول، فإن القدرة الأمريكية على التدخل والضغط والاستهداف تبقى قائمة.
والعراق الذي يُجرد من سلاحه الاستراتيجي تحت هذا الضغط، يبقى مكشوفاً أمام قوة إقليمية لن تغادر المنطقة، بغض النظر عن عدد القواعد داخل حدوده.
المفارقة أن الحديث عن انسحاب القوات الأمريكية يتزامن مع الحديث عن "حصر السلاح". ففي الوقت الذي يُروَّج فيه لـ"يوم السيادة"، يُفتح ملف نزع الصواريخ الباليستية والمسيّرات — وهي أسلحة استراتيجية ردعية — تحت إشراف أمريكي.
أي سيادة هذه التي تُبنى على تجريد الدولة من قدرتها على الردع، بينما تبقى تفاصيل ترسانتها مكشوفة لمن يُفترض أنه "رحل"؟

