في مشهد يعيد إنتاج سيناريوهات التآمر على المقاومة، يطل "نداء النبطية الثاني" وكأنه صرخة مدنية، لكن خيوط اللعبة تبدو مكشوفة لمن يعرف كيف تقرأ المشهد اللبناني.
الحكاية من البداية
في 29 أيار 2026، أطلق مجموعة من الناشطين "نداء النبطية" الأول، محذّرين من وصول الحرب إلى المدينة. جاء النداء الثاني في 7 أيلول 2026، بتوقيع أكثر من 400 شخص، بعد أن اشتدت الغارات الإسرائيلية على النبطية ومحيطها، ونزح بعض الأهالي جراء التصعيد.
النداء حمل عنواناً دراماتيكياً:
"أنقذوا عاصمة جبل عامل وحاضرته التاريخية"!
وطالب بنشر الجيش اللبناني في المدينة، وتولي الدولة مسؤولية أمنها، وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها الشرعية.
كيف تسللت المؤامرة؟
ما يلفت النظر أن النداء، رغم توجيهه الإسمي إلى الدولة وإسرائيل، كان واضحاً في استهداف جهة واحدة بعينها.
أكثر من ثلاثة أرباع النص كانت منصبة على محاسبة حزب الله، وكأنه المتسبب الأول بالدمار، متجاهلةً أن المعتدي الحقيقي هو الاحتلال الإسرائيلي الذي يهدم ويفجّر ويقتلع.
اللافت أيضاً أن النداء استغل توقيتاً دقيقاً للغاية، حين يكون حزب الله منهكاً بعد سنوات من الحرب، وحين تكون إسرائيل في ذروة تصعيدها ضد الجنوب.
لم يكن النداء دعوةً لتوحيد الصفوف ضد العدو، بل كان طعنة في الظهر تحت غطاء إنساني.
من وقّع؟ ومن حرّك؟
كشفت التغطيات الإعلامية أن الموقعين هم مزيج من شخصيات مدنية وسياسية، بينهم المحامي علي مراد والناشطة ميرنا بشارة، وقد تحدثا عن "الخسارة المعلنة" و"التعب من خطاب الانتصار"!
وحظي النداء بـتأييد سياسي من حزب الكتائب والنائب أشرف ريفي، المعروفين بمواقفهما المناهضة لـحزب الله.
لكن السؤال الأهم: من الذي وقف خلف هذا التحرك؟ من مولّه؟ ومن نسّق لحظة إطلاقه؟
الإجابة قد تكون في التوقيت الذي تزامن مع حملات خارجية وداخلية مضادة للمقاومة، ومع غياب أي دور للحكومة اللبنانية في حماية الجنوب، وكأن هناك يداً خفية تريد إسقاط الحزب باستخدام معاناة الناس.
الحكومة اللبنانية.. متفرجة ومتواطئة؟
بدلاً من أن تكون الحكومة اللبنانية شريكاً في حماية النبطية، تكتفي بإرسال دوريات إضافية للجيش كـ"طمأنة" شكلية، بينما تبقى مواقع أساسية مثل تلال علي الطاهر خالية من الجيش، مما سمح للاحتلال بالسيطرة عليها.
الجيش موجود، لكنه لا يمنع، والحكومة تصدر بيانات، لكنها لا تفعل.
وكأن الدولة تنتظر الفرصة المناسبة لتقول للحزب: "أنت المسؤول، ونحن هنا لنأخذ مكانك"، وكأن حماية الجنوب أصبحت مجرد "موضوع تفاوض" وليس واجباً دستورياً.
ما الذي يريده هؤلاء حقاً؟
لا يريد موقعو النداء إنقاذ النبطية فقط، بل يريدون:
تجريد المقاومة من شرعيتها الدفاعية.
تمرير رواية إسرائيلية بأن الحزب هو سبب الدمار.
دفع الناس للخروج ضد الحزب تحت ضغط النزوح والخوف.
تشجيع الدولة على تثبيت وجودها بديلاً عن المقاومة.
وكأنهم يقولون: بما أن إسرائيل قصفت ودمّرت، فالمذنب هو الذي قاتل، وليس الذي احتل.
النداء لم يقدم حلّاً، ولم يقل كيف سيواجه الجيش الإسرائيلي إذا دخل المدينة، ولم يشر إلى أن الدولة مقصّرة منذ عقود في حماية الجنوب. فقط قال:
"أنتم السبب".
يخدم "نداء النبطية الثاني" المشروع الإسرائيلي بتجريد الجنوب من مقاومته، ويساعد الحكومة التي تريد التملّص من مسؤولياتها، ويطعن المقاومة في ظهرها.
أما النبطية، فستبقى مهدّدة ما دام هناك من يريد أن تكون ورقة سياسية، لا مدينة تستحق أن تُحمى بدماء أبنائها، لا ببيانات الموقّعين.

