تخوض الدبلوماسية الإيرانية ومحور المقاومة مرحلةً من أشد المراحل حساسيةً وتعقيداً في تاريخ المنطقة المعاصر، مرحلة تتطلب صرامة استراتيجية، ووعياً تاماً بطبيعة الخصم، وقراءة دقيقة للتوقيت والرمزية.

غير أن الأداء المتسلسل لـلوفد الدبلوماسي والحكومي الإيراني يطرح تساؤلات مشروعة وعميقة حول كفاءة وأهلية هذا الفريق لإدارة صراع مصيري بهذه الخطورة.

محطة إسلام آباد: التفاوض من موقع الخسارة

تبلورت الأزمة مبكراً في مفاوضات إسلام آباد؛ فبعد نحو أربعين يوماً فقط من العدوان واغتيال المرشد الأعلى، كان الذهاب إلى طاولة المفاوضات رسالة ضمنية تفيد بأن طهران لا تزال مستعدة لتقديم التنازلات وفتح باب "الأخذ والعطاء" مع عدو لم يتوقف عن آلياته التدميرية.

لم تتردد الولايات المتحدة في استغلال هذه الثغرة، فـأحكمت حصارها البحري على إيران مستفيدة من مناخ التهدئة المزعوم.

ورقة تفاهم بزشكيان-ترامب: حبر على ورق

في المرحلة الثانية، جاء توقيع ورقة التفاهم التي نص بندها الأول على وقف كافة الأعمال الحربية في جميع الجبهات.

لكن إسرائيل سارعت لخرق الاتفاق واستمرت بالقصف والتوسع. ورغم هذا الخرق الفاضح، رضي الوفد الإيراني باستئناف المفاوضات في سويسرا، تحت ذريعة "حقن دماء الناس في لبنان" حسب تعبير المسؤولين.

على الأرض، واصل الاحتلال توغله في العمق اللبناني وصولاً إلى تلال علي الطاهر وتدمير منشآت حيوية، بينما استمرت الاغتيالات وعمليات القتل رغم الوقف الشكلي لإطلاق النار.

وفي التوقيت ذاته، ربتت واشنطن الإطار مع الحكومة اللبنانية وإسرائيل، لتتحول ورقة التفاهم إلى مجرد حبر على ورق.

ولم يتوقف الخرق عند هذا الحد، بل تجاوزته واشنطن إلى إيجاد طرق بديلة (عمانية-جنوبية) لـمضيق هرمز، فضلاً عن استمرار قصف القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) واستهداف القطع البحرية والمدنيين.

قمة الانهزام الرمزي وتكرار الخطأ

نحن اليوم أمام مرحلة جديدة من الحصار والعدوان، توجت بفرض حصار على حركة الملاحة الجوية الإيرانية.

ورغم أن طائرة الرئيس بزشكيان علمَت بالقرار وهي في طريقها إلى نيويورك، لم تراجع الرئاسة حساباتها ولم تُغيّر اتجاهها، لتواجه الطائرة فور وصولها تعقيدات تشريعية قاسية تشمل طلب رخصة خاصة من وزير الخزانة الأمريكي لتزويدها بالوقود!

أي منطق سياسي هذا الذي يقود الرئيس –في نفس العام الذي شهد اغتيال المرشد الأعلى على يد الإدارة الأمريكية نفسها وتحت حكم نفس الشخص (ترامب)– للذهاب إلى الولايات المتحدة واستجداء التأشيرات؟

وأي وهم هذا الذي يدفع بزشكيان للاعتقاد بأن خطابه في الجمعية العامة سيحرك الرأي العام العالمي لفضحه وتعرية جرائمه؟

فالعالم الذي لم تحركه عيون أطفال ميناب والجثث المقطّعة لطاقم البارجة دنا –والذين قتلهم كما صرح ترامب نفسه (للتسلية)– لا تحركه كلمة بزشكيان في الجمعية العامة.

وما يزيد المشهد مرارةً هو نشر خبر لقاء وزير الخارجية عراقجي مع شخصيات ثانوية مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وسط تهديدات ترامب المباشرة بـقصف المنشآت جبل فأس واستخدام النووي؛ وهو ما يعكس حالة من الإذلال المتعمد ليس لطهران فحسب، بل لكل المحور.

يضاف إلى ذلك رؤية حلفاء إقليميين ينخرطون في مشاهد مقززة من الخنوع؛ فـرئيس عراقي يتململ لتنفيذ الرغبات الأمريكية إرضاءً لواشنطن، ورئيس لبناني يحكم بلداً مصادراً في سيادته وثرواته.

الخلاصة:

إن التساؤل هنا ليس اتهاماً بالنوايا، بل هو إقرار بحقيقة مرة: إن هؤلاء القادة لا يرتكبون خيانة بالمعنى الكلاسيكي، بل يثبتون يوماً بعد يوم أنهم غير جديرين بإدارة هذه المرحلة الدقيقة.

فمن يفشل في قراءة التوقيت، ويهبط طائرته تحت وطأة الإهانة، ويهرول للتفاوض تحت التهديد والوعيد، هو حتماً يقود السفينة نحو الغرق.