أربيل
أرسلت واشنطن إشارة واضحة أخرى تعيد إلى الأذهان صفحات تاريخية مؤلمة من خذلان الحلفاء؛ إذ تستعد إدارة ترامب، في 30 أيلول/سبتمبر، لوقف أكثر من 60 مليون دولار من التمويل الدفاعي المباشر، والتدريب البري، والدعم العملياتي للبيشمركة الكردية العراقية، مع انتهاء مذكرة التفاهم الحالية.
على مدى عقدين، قدمت الولايات المتحدة برامج دعم وتسليح لقوات البيشمركة التي شكلت أساساً درعاً متقدماً في مواجهة الإرهاب.
واليوم، تكرر واشنطن سيناريو التخلي المتكرر عبر التاريخ عن الأكراد بعد استنفاد الحاجة إليهم، تاركة هذه القوات لمواجهة نتائج معادلة اعتمدت طويلاً على الوعود الأميركية المتغيرة.
لماذا يحدث ذلك الآن؟
هذا ليس مجرد تأخر إداري، بل تحول استراتيجي يعكس الطبيعة البراغماتية للسياسة الأميركية التي طالما انتهت بالتخلي عن حلفائها:
انتهاء مبرر الضرورة
شاركت البيشمركة بفاعلية وقدمت تضحيات كبرى في معركة دحر تنظيم داعش.
ومع تراجع العمليات العسكرية وتقليص الوجود الأميركي، يكرر البنتاغون نهجه التاريخي في التخلي عن شركائه بمجرد انتفاء المصلحة المباشرة، بغض النظر عن استمرار الحاجة الفعلية للاستقرار المحلي.
ضيق واشنطن من الانقسام الحزبي
لسنوات، ضغط المسؤولون الأميركيون لتسريع توحيد البيشمركة تحت مظلة وزارة شؤون البيشمركة، لكن القيادات السياسية في الإقليم بقيت منقسمة، حيث تخضع قوات البيشمركة لثنائية نفوذ بين أربيل (الحزب الديمقراطي الكردستاني وتشكيلات الوحدة 80) والسليمانية (الاتحاد الوطني الكردستاني وتشكيلات الوحدة 70).
وباتت واشنطن تتذرع بهذا الانقسام الإداري والعسكري لتقليص التمويل، متجاهلة تعقيدات المشهد السياسي المحلي.
التحول نحو العلاقات المركزية
أصبحت السياسة الأميركية مضطرة للانسجام مع بغداد التي تطالب بتوحيد القرار العسكري، ما يجعل واشنطن تعيد هندسة حضورها لصالح ترتيبات مع الدولة المركزية.
إرث الفوضى: بين المسؤولية المحلية والخذلان الخارجي
لم يكن الاعتماد على الوعود الأميركية خياراً سهلاً، بل فرض واقعاً معقداً ساهم في تفتيت المشهد:
تقويض السيادة الوطنية:
أتاح الدعم الخارجي للإقليم هامشاً واسعاً من الاستقلالية، لكن الاعتماد على وعود واشنطن المتحرّكة جعل القرار الأمني رهيناً لحسابات قوة عظمى لا تفي غالباً بعهودها الاستراتيجية على المدى الطويل.
التوسع والتوترات الميدانية:
فبعد أن كانت البيشمركة منشغلة في البداية بالدفاع عن وجودها وحماية أمنها في مواجهة خطر الاجتياح خلال عام 2014 وما بعده، بدأت بعد تحقيق الانتصارات وتطهير المناطق (بالتكامل مع العمليات العسكرية وجهود القوات المسلحة العراقية والحشد الشعبي) تتوسع في انتشارها نحو مناطق «متنازع عليها» (مثل كركوك ومناطق كالحويجة)، معولة على الغطاء الأميركي والدولي، وصولاً إلى أزمة استفتاء الانفصال في خريف 2017، قبل أن تعيد الدولة فرض سيطرتها الاتحادية على تلك المناطق وتنهي ذلك المسار.
الصراعات الداخلية:
الارتباط بالاستقطاب الخارجي لم يخدم بناء مؤسسة عسكرية وطنية محترفة، بل غذى التنافس الحزبي والعائلي في الإقليم.
ماذا يعني ذلك للسيادة والأمن العراقيين؟
إن إنهاء الدعم الأميركي يمثل اختباراً حقيقياً لمستقبل العلاقة بين الإقليم وبغداد:
• الضغط باتجاه التكامل المؤسسي:
بما أن الرواتب والتمويل الأساسي مرتبط رسمياً بالخزينة الاتحادية في بغداد (عبر الموازنة)، فإن توقف الدعم اللوجستي والتسليحي والتدريبي الأميركي سيزيد من حاجة القيادات الكردية في أربيل والسليمانية للتنسيق العسكري مع بغداد، مما يدفع نحو ضرورة الإسراع في توحيد ودمج هذه القوات بصورة حقيقية ضمن مؤسسات الدفاع العراقية.
نهاية أوهام التحالفات الدائمة:
هذه الخطوة تذكير بأن الرهان على الرعاية الأجنبية له أثمان باهظة وغالباً ما ينتهي بخذلان متكرر.
فراغ محتمل:
قد تتأثر الجاهزية التكتيكية والقدرات الاستخباراتية للبيشمركة مؤقتاً بعد غياب الدعم الأميركي المباشر، مما يفرض على بغداد وحكومة الإقليم ردم هذه الفجوة لضمان استقرار المناطق الحدودية الشمالية.
الخلاصة
إن ما جرى ويجري يؤكد قاعدة تاريخية متكررة: الولايات المتحدة لا تملك حلفاء دائمين، بل مصالح مؤقتة.
لقد دفعت البيشمركة ثمن ثقتها بوعود واشنطن المتغيرة. واليوم، لم يعد السؤال حول قدرة الإقليم على الاستمرار بالنموذج السابق، بل:
هل ستستوعب القيادات الكردية في أربيل والسليمانية درس الخذلان الأميركي لتوطيد تعاونها ومسارها مع الدولة العراقية ومؤسساتها الاتحادية، حمايةً لشعبها بعيداً عن رهانات الخارج؟

