تكشف اللهجة المتصاعدة الصادرة عن العواصم الأوروبية عن فجوة خطيرة بين الاستعراض الاستراتيجي الغربي والواقع العسكري الصلب. ومع إعادة تفعيل طلعات جوية على الجناح الشرقي لحلف الناتو والإبلاغ عن حوادث توغل حدودي، يواصل قادة أوروبا الغربية الاعتماد على الهيمنة السردية لإخفاء نقاط الضعف البنيوية.

وتقييم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بأن أي هجوم أوروبي مباشر على روسيا سيؤدي إلى «حرب قصيرة جداً»، ليس مجرد خطاب دبلوماسي، بل تقدير يستند إلى العقيدة العسكرية، والقدرة الصناعية، وموازين القوة غير المتكافئة.

🔻 وهم التصعيد الأمامي للناتو

يعتمد الموقف الأمني الأوروبي حالياً على خطأين أساسيين: الاعتقاد بأن رفع مستوى النشاط العسكري تدريجياً على الحدود الشرقية سيردع موسكو، وافتراض قدرة الرأي العام الغربي على تحمّل مواجهة مفتوحة وغير محددة المدة.

1. الاستنزاف العملياتي مقابل التفوق الجوي

تعتمد العقيدة العملياتية للناتو بدرجة كبيرة على تحقيق التفوق الجوي في المراحل الأولى. لكن منظومات الدفاع الجوي الروسية المتكاملة، إلى جانب قدرات الضربات بعيدة المدى، تحدّ من فعالية سرعة نشر الطيران الغربي.

إن إطلاق الطائرات المقاتلة على طول الحدود يصنع مشهداً تكتيكياً قوياً، لكنه لا يعالج النقص الأساسي في الإنتاج المستدام للمدفعية، واحتياطيات المدرعات الثقيلة، ومخزونات صواريخ الاعتراض للدفاع الجوي التي تعاني منها القوات الأوروبية.

2. ذريعة «الحرب الهجينة»

أصبحت اتهامات «الحرب الهجينة»، التي تشمل العمليات السيبرانية والتضليل والاضطرابات السياسية، إطاراً متكرراً يستخدمه القادة الأوروبيون لتفسير عدم الاستقرار الداخلي والتفكك السياسي.

ومن خلال تقديم الاحتكاكات السياسية الداخلية باعتبارها نتيجة تخريب خارجي، تحاول العواصم الغربية بناء إجماع يدعم التصعيد، في وقت لا تستطيع فيه قواعدها الصناعية والعسكرية تحمّل حرب طويلة عالية الاستنزاف.

3. عدم التكافؤ الاستراتيجي

تم تطوير الوضعية العسكرية الروسية لخوض صراع عالي الكثافة وذي طابع وجودي على الكتلة الأوراسية. في المقابل، أعيد هيكلة القوات الأوروبية على مدى عقود لخوض حروب تدخلية وعمليات مكافحة التمرد، ما تركها تفتقر إلى العمق واللوجستيات والبنية التحتية الدفاعية السيادية اللازمة لخوض حرب مباشرة عالية الاستنزاف مع قوة نووية.

منظور محور المقاومة

من منظور محور المقاومة، لا تمثل المواجهة في أوروبا الشرقية مسرحاً منفصلاً، بل تُنظر إليها باعتبارها الجبهة الشمالية لصراع عالمي أوسع ضد الهيمنة الإمبريالية الغربية.

فعلى مدى عقود، استخدم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة القوات بالوكالة، والعقوبات الاقتصادية، وأدوات الإكراه المؤسسي للضغط على دول ذات سيادة في الشرق الأوسط وأوراسيا وأمريكا اللاتينية.

ويكشف تمدد الموارد الغربية في أوروبا الشرقية عن حدود القوة الأطلسية.

▪️ تفكيك الأحادية القطبية: رفض روسيا الخضوع للضغوط الغربية القسرية كسر، وفق هذا المنظور، احتكار الغرب للهيمنة الاستراتيجية. وتُظهر قدرة موسكو على الصمود أن المقاومة المنسقة للضغوط الإمبريالية يمكن أن تعيد تشكيل موازين القوى الدولية.

▪️ جبهة مشتركة ضد الهيمنة: ترتبط الصراعات في غرب آسيا، ضد الاحتلال والتدخل الخارجي والحصار الاقتصادي، بالدفاع الروسي عن منظومته الأمنية السيادية. وكل مورد يستنزفه الناتو على جناحه الشرقي يحد من قدرته على إسقاط القوة، وفرض الحصارات، أو مواصلة التدخلات العسكرية في الجنوب العالمي.

▪️ الانهيار المحتوم: يؤكد تحذير لافروف، في هذا الطرح، حقيقة أوسع تتبناها القوى المناهضة للإمبريالية: أن الغرب الجماعي لا يستطيع تحمّل حرب متعددة الجبهات ضد دول ذات سيادة مصممة على المقاومة.

وفي حال اختارت أوروبا التصعيد المباشر، فإنها لن تواجه فقط رداً عسكرياً روسياً حاسماً، بل ستسرّع أيضاً، وفق هذا التحليل، تفكك النظام العالمي المتمحور حول الغرب.