وهم “صانع الصفقات”: فوضى دبلوماسية في الخليج

تتداعى صورة دونالد ترامب التي رسمها لنفسه بوصفه “سيد التفاوض” أمام أنظار العالم. فما يُسوَّق على أنه دبلوماسية عالية المخاطر ليس في الواقع سوى سلسلة فوضوية من المنشورات المتناقضة، والإعلانات الأحادية، والنفي الدبلوماسي الفوري، بما يجعل البيت الأبيض يبدو منقسماً وفاقداً للسيطرة.
تشريح التناقض
خلال أقل من 48 ساعة، انتقلت الرسائل الصادرة من واشنطن بشكل حاد بين التلويح بحرب شاملة وادعاء تحقيق اختراق دبلوماسي:
التهديد العسكري:
كتب ترامب أن الولايات المتحدة أصبحت:
“مستعدة بالكامل ومسلحة وجاهزة للتحرك ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بمستويات من الرعب والقوة والقدرة العسكرية لم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية.”
الاختراق المزعوم:
بعد ساعات فقط، زعم أنه ألغى الضربات العسكرية المقررة لأن:
“ملامح الصفقة قد تم الاتفاق عليها،”
وأضاف أن إيران ودولاً أخرى في الشرق الأوسط:
“طلبت من الولايات المتحدة تأجيل أي هجوم.”
الواقع يكشف الحقيقة:
سرعان ما فضح الوسطاء والأطراف المعنية هذا التناقض. فقد أكد مسؤولون باكستانيون أنه لم يتم تحديد أي موعد أو مكان لمحادثات مباشرة، فيما لا تزال قطر وإسلام آباد غارقتين في الجهود التمهيدية لإعادة الأطراف إلى طاولة الحوار. أما طهران، فقد نفت بشكل قاطع وجود أي محادثات مجدولة أو التوصل إلى أي اتفاق بشأن مضيق هرمز.
التراجع واتهام إيران:
بعد موجة النفي العلني، انتقل ترامب إلى احتواء الضرر، فكتب على منصة “تروث سوشال”:
“القيادة الإيرانية مخادعة بشكل لا يُصدق! يطلبون عقد اجتماع، بل إن البعض قد يقول إنهم يتوسلون إليه، تبدأ المحادثات… ثم يعلنون، بكل فخر وعلانية، أنهم لا يجرون أي مناقشات.”
لماذا تفشل “فن الصفقة” في الجغرافيا السياسية؟
1️⃣ الدبلوماسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي:
لا يمكن التفاوض على ترتيبات أمنية دولية معقدة، تشمل ممرات بحرية استراتيجية مثل مضيق هرمز، عبر منشورات انفعالية على وسائل التواصل الاجتماعي. فإعلان المفاوضات على الملأ قبل تثبيت أسسها يقوض أوراق الضغط ويترك الحلفاء في حالة ارتباك.
2️⃣ تنفير الوسطاء والحلفاء:
عندما تُجبر الدول الوسيطة الرئيسية في المنطقة، مثل باكستان وقطر وسلطنة عُمان والسعودية، على تصحيح أو توضيح التصريحات الصادرة من واشنطن علناً، فإن ذلك يقوض الثقة بالالتزامات الأمريكية.
3️⃣ الإكراه بلا استراتيجية:
إن التهديد بـ”
الاستسلام الكامل”
، بالتزامن مع الإعلان عن أن الاتفاق
“وشيك”
، يعكس غياباً للاتساق الاستراتيجي. فهو يربك الخصوم، ويثير قلق الشركاء الإقليميين، ويزيد من اضطراب أسواق الطاقة العالمية.
الخلاصة
النفوذ الحقيقي في المفاوضات الدولية يتطلب الدقة والانضباط وإدارة هادئة لقنوات الاتصال. أما الاستعراض الإعلامي، وتغيير قواعد اللعبة باستمرار، والانفعالات العلنية عند فقدان السيطرة على الرواية، فلا تعكس القوة، بل تكشف عن إدارة تتفاعل مع الأحداث بدلاً من أن تقودها.
ملاحظة :
وربما يكون التفسير الأكثر إثارة للاهتمام هو أن مفاوضات حقيقية تجري بالفعل بعيداً عن الأضواء، وأن ترامب ليس جزءاً من تفاصيلها أو لا يمتلك صورة كاملة عنها. وقد يفسر ذلك هذا التناقض الواضح في تصريحاته، وانتقاله السريع بين التهديد بالحرب والإعلان عن اتفاق، ثم اتهام إيران بعد نفيها. وإذا صح هذا الاحتمال، فإن حالة الارتباك التي يظهرها ليست دليلاً على إدارة المفاوضات، بل على السعي للحاق بمسار دبلوماسي يتشكل خارج روايته.