لقد جعلت التطورات الأخيرة حقيقة واحدة من المستحيل تجاهلها:

واشنطن لم تصعّد ضد إيران فحسب، بل صعّدت ضد منظومة الطاقة العالمية بأكملها.

عقب الضربة الأميركية على جزيرة لارك الإيرانية، والرد الإيراني اللاحق ضد المواقع الأميركية في الأردن، قفزت أسعار النفط بشكل حاد.

ارتفع خام برنت بنحو 2.8% إلى حوالي 90.60 دولاراً للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط (WTI) بنحو 2.5% إلى قرابة 85.53 دولاراً.

لكن ارتفاع أسعار النفط ليس سوى إشارة التحذير الأولى.

مضيق هرمز لا يزال نقطة الضغط الأساسية

انهارت حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز من أكثر من 100 سفينة يومياً إلى نحو خمس سفن فقط.

وهذا ليس اضطراباً عادياً في الأسواق، بل صدمة هيكلية لأحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

وهنا تحديداً يظهر التناقض الاستراتيجي في سياسة واشنطن.

فالولايات المتحدة تريد ممارسة الضغط الاقتصادي على إيران، بينما تنفذ في الوقت نفسه عمليات عسكرية حول الممر البحري نفسه الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية.

لا يمكنك تحويل الخليج إلى ساحة للصراع ثم التظاهر بأن الاقتصاد العالمي سيبقى بمنأى عن التداعيات.

الأسواق بدأت تستجيب بالفعل

تراجعت أسواق الأسهم الآسيوية مع تجدد الأعمال العدائية الأميركية ـ الإيرانية، وتصاعد المخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم.

وفي الوقت نفسه، بقيت عوائد سندات الخزانة الأميركية مرتفعة، فيما زادت الأسواق من احتمالات قيام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي برفع أسعار الفائدة مجدداً في أيلول/سبتمبر.

بعبارة أخرى:

الحرب ◀️ اضطراب هرمز ◀️ ارتفاع أسعار النفط. ◀️التضخم ◀️ تشديد السياسة النقدية ◀️. ضعف الأسواق.

الحرب الاقتصادية الأميركية تتصاعد أيضاً

تتوسع حملة الضغط الاقتصادي لتتجاوز إيران نفسها.

فقد تحركت وزارة الخزانة الأميركية ضد فروع بنك مصر في الإمارات العربية المتحدة، وقيّدت وصولها إلى المعاملات بالدولار على خلفية تعاملات يُزعم ارتباطها بإيران.

وردّت مصر والإمارات بالتنسيق بشأن القضية، فيما يقوم مصرف الإمارات المركزي بمراجعة عمليات البنك.

وفي الوقت نفسه، تفيد تقارير بأن واشنطن تستعد لفرض عقوبات ثانوية إضافية على المؤسسات المالية التي تتعامل مع إيران، بما قد يحوّل حملة العقوبات إلى آلية تصعيد متواصلة ومتكررة.

السؤال الاستراتيجي الحقيقي

لسنوات، كان الافتراض الأميركي بسيطاً:

الضغط على إيران ◀️ إضعاف إيران ◀️ إجبار طهران على تقديم التنازلات.

لكن المعادلة الحالية أصبحت أكثر تعقيداً بكثير.

كل تصعيد عسكري إضافي حول إيران يرفع علاوة المخاطر على قطاع الطاقة.

كل اضطراب في مضيق هرمز يؤثر في حركة الشحن.

كل ارتفاع في أسعار النفط يغذي التضخم.

وكل صدمة تضخمية تزيد تعقيد السياسة النقدية في الغرب.

وكل عقوبة مالية جديدة تدفع الأطراف الإقليمية إلى البحث عن قنوات دفع وترتيبات مالية بديلة خارج النظام الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

وهنا تكمن مفارقة الاستراتيجية الأميركية:

كلما حاولت واشنطن عزل إيران بصورة أكثر عدوانية، كشفت للعالم بصورة أكبر مدى اعتماده على المنطقة نفسها التي تعمل على زعزعة استقرارها.

إيران لا تحتاج إلى السيطرة على الاقتصاد العالمي بأكمله لفرض كلفة استراتيجية على خصومها.

يكفي أن تبقى قادرة على جعل أهم الممرات الاقتصادية في العالم خطرة أو مكلفة أو غير مستقرة إلى درجة يستحيل معها تجاهلها.

وهذا تحديداً ما بدأت الأسواق تسعّره.

لم تعد هذه الحرب مجرد صراع على الأراضي أو المواقع العسكرية.

إنها تتحول إلى مواجهة حول الطاقة، والتجارة، والقوة المالية، وبنية الاقتصاد العالمي نفسها.