إن التقارير التي تتحدث عن امتلاك الولايات المتحدة نحو 41 يوماً من مخزون النفط لا تعني أن أميركا ستنفد من النفط خلال 41 يوماً. الرقم يقيس مدة تغطية المخزون النفطي المحلي لاحتياجات المصافي من دون احتساب الإمدادات الجديدة.
لكن التحذير الكامن وراء الرقم جدي.
الهامش الاستراتيجي يتقلص
تُقدَّر المخزونات التجارية الأميركية، إلى جانب الاحتياطي النفطي الاستراتيجي (SPR)، بنحو 700–720 مليون برميل، وهي من أدنى مستويات التغطية الإجمالية منذ عقود.
أما الاحتياطي الاستراتيجي نفسه، فيضم نحو 285–290 مليون برميل، أي أقل بكثير من طاقته المعتمدة البالغة 714 مليون برميل. وتبلغ المخزونات التجارية نحو 410–415 مليون برميل.
وفي مراكز رئيسية مثل كوشينغ في أوكلاهوما، اقتربت المخزونات أيضاً من مستويات التشغيل الدنيا، ما يجعل سحب كميات إضافية من النفط أكثر صعوبة من الناحية اللوجستية.
ولا تزال الولايات المتحدة تنتج نحو 13 مليون برميل من النفط الخام يومياً، لذلك لا نتحدث عن انهيار وشيك في الإمدادات. المشكلة تكمن في تآكل هامش الأمان الاستراتيجي الذي تستخدمه واشنطن لامتصاص الصدمات في أسواق الطاقة.
خيارات واشنطن تضيق
في حال استمرار أزمة الطاقة، قد تلجأ الولايات المتحدة إلى:
• زيادة الإنتاج المحلي عبر إجراءات طارئة لتخفيف القيود التنظيمية وفتح المجال أمام التنقيب والإنتاج في الأراضي الفدرالية.
• تسريع إعادة ملء الاحتياطي الاستراتيجي عبر شراء النفط وإبرام عقود طويلة الأجل مع منتجي النفط الصخري.
• منح إعفاءات محددة من العقوبات أو السماح بتدفقات نفطية إضافية عبر قنوات غير مباشرة.
• إعطاء الأولوية لتزويد الجيش وشبكات النقل والبنية التحتية الحيوية بالوقود على حساب الاستهلاك المدني.
الكلفة الداخلية
سيؤدي استمرار الضغط على الطاقة مباشرة إلى زيادة التضخم وتكاليف النقل والزراعة والتصنيع، مع ارتفاع الضغوط السياسية على الإدارة الأميركية.
والأهم أن انخفاض الاحتياطي الاستراتيجي يحدّ من قدرة واشنطن على استخدام السحب الطارئ من المخزون النفطي كأداة جيوسياسية. فالمجال المتاح لامتصاص صدمات الإمدادات العالمية أو الضغط على الدول المنتجة للطاقة يصبح أضيق من دون استنزاف الاحتياطي الأميركي نفسه.
النتيجة الجيوسياسية
ستجد القوى المستوردة للطاقة، مثل الصين والهند والدول الأوروبية، حوافز أكبر لتنويع مصادر أمنها الطاقوي وتقليل اعتمادها على منظومة الأمن البحري والطاقة التي تقودها الولايات المتحدة، وتعميق ترتيبات تجارية ومالية وطاقوية بديلة.
وهذا يعزز التحول الأوسع نحو نظام طاقة عالمي أكثر تعددية للأقطاب.
مشكلة إيران
التصعيد العسكري ضد إيران سيكون أكثر خطورة في ظل هذه الظروف.
فأي اضطراب كبير في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع هائل في أسعار الخام.
وبدلاً من تخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية، قد تؤدي حرب أوسع إلى النتيجة المعاكسة تماماً: ارتفاع أسعار الوقود، تضخم أكبر واضطرابات إضافية في سلاسل الإمداد داخل الولايات المتحدة.
واشنطن ستصمد… لكن بهامش مناورة أضيق
تمتلك الولايات المتحدة إنتاجاً محلياً وقدرات تكرير وأسواقاً مالية كافية لتجنب انهيار طاقوي فعلي في المدى القريب.
لكن المشكلة الأعمق استراتيجية: تراجع هامش الأمان النفطي يعني خيارات أقل أمام واشنطن لخوض حروب اقتصادية طويلة، أو تنفيذ تدخلات خارجية واسعة، أو إدارة سوق الطاقة العالمي وفق مصالحها.
النتيجة المرجحة ليست انهيار الولايات المتحدة، بل انكماش قدرتها الاستراتيجية: تكاليف طاقة أعلى، قيود داخلية أكبر، وانتقال تدريجي نحو عالم تصبح فيه قدرة واشنطن على فرض شروطها على أمن الطاقة العالمي أقل.

