في 31 آب، لا نحتاج إلى خطب جديدة عن الإمام موسى الصدر. نحتاج إلى إجابات.

ثمانية وأربعون عاماً مرّت على تغييب الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه، الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، في ليبيا.

ثمانية وأربعون عاماً من البيانات، واللجان، والتحقيقات، والوعود، والأسئلة التي لا تنتهي.

والنتيجة؟

لا حقيقة كاملة. لا جثامين. لا رواية حاسمة. ولا محاسبة تضع النقاط على الحروف.

والسؤال الأكثر إحراجاً ليس فقط: أين الإمام الصدر؟

بل:

❗️من المستفيد من استمرار الغموض حتى اليوم؟

سقط نظام معمر القذافي عام 2011.

سقطت أجهزة أمنية، وفُتحت السجون، وخرجت ملفات، وظهر شهود، وكُشف عن مقابر وأماكن احتجاز سرية.

كان من الطبيعي أن يُفترض أن سقوط النظام الذي اتُّهمت سلطاته بالمسؤولية عن اختفاء الإمام ورفيقيه سيفتح الطريق أمام الحقيقة.

لكن ذلك لم يحدث.

حتى اليوم، ما زالت السلطات الليبية المتعاقبة متهمة بعدم التعاون الكامل في القضية، فيما بقي مصير الرجال الثلاثة مجهولاً.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً:

هل اختفت الحقيقة مع القذافي؟ أم أن هناك من لا يزال يملكها ويخشى كشفها؟

ولماذا؟

في السنوات التي أعقبت سقوط القذافي، ظهرت أكثر من خيط وقصة وجثة مشتبه بها.

في عام 2012، قُدّم إلى الجانب اللبناني جثمان اشتُبه بأنه للإمام الصدر، لكن فحص الـDNA أثبت أنه يعود إلى المعارض الليبي منصور الكيخيا.

وفي عام 2016، ظهرت جثة أخرى، لكن نتائج الـDNA كانت سلبية أيضاً. وبقي الملف مفتوحاً.

ثم جاءت في 2025 تحقيقات BBC التي كشفت عن أدلة جديدة مرتبطة بجثمان عُثر عليه في مشرحة سرية في طرابلس عام 2011، مع تحليل للتعرف على الوجه أشار إلى احتمال أن يكون الجثمان للإمام الصدر.

لكن حتى هذا الدليل لم يكن تعريفاً جنائياً نهائياً، ورفضته عائلة الإمام وحركة أمل باعتباره حاسماً.

وهنا تتضاعف الأسئلة.

إذا كان الإمام قد قُتل، فأين جثمانه؟

إذا كان قد سُجن، فمن احتجزه؟ ومتى انتهت حياته؟

إذا كانت هناك أوامر بإخفائه، فمن أصدرها؟

وإذا كانت الحقيقة موجودة في ملفات أو شهادات أو أرشيفات أجهزة الأمن الليبية، فلماذا لم تظهر كاملة بعد سقوط النظام؟

والأكثر إثارة للريبة:

لماذا لم تؤدِّ الثورة الليبية، بكل ما فتحته من أبواب وأسرار، إلى كشف مصير واحدة من أشهر قضايا الاختفاء السياسي في تاريخ المنطقة؟

لا نملك الحق في توجيه اتهام إلى جهة محددة من دون دليل.

لكننا نملك كل الحق في طرح الأسئلة التي لم تجد جواباً.

والقول إن القضية “قديمة” ليس جواباً.

والقول إن “القذافي رحل” ليس جواباً.

والقول إن “الملف قيد المتابعة” ليس جواباً.

الحقيقة لا تسقط بالتقادم.

والعدالة لا تصبح أقل أهمية لأن 48 عاماً مرت.

بل ربما العكس.

كل سنة تمرّ من دون حقيقة تجعل السؤال أكثر إلحاحاً:

من يريد لهذا الملف أن يبقى مفتوحاً بلا خاتمة؟

وهل أصبح غياب الإمام الصدر، بالنسبة إلى بعض القوى، أكثر فائدة من معرفة الحقيقة عن مصيره؟

هذه ليست قضية طائفة.

إنها قضية دولة وكرامة وطن وذاكرة عربية.

والذين يرفعون صورة الإمام في كل 31 آب ثم يعودون في اليوم التالي إلى صمتهم، عليهم أن يسألوا أنفسهم:

هل نريد فعلاً الحقيقة؟ أم نريد فقط أن نتذكر الرجل من دون أن نطالب بكشف ما حدث له؟

بعد 48 عاماً، لم يعد المطلوب المزيد من الكلمات.

المطلوب فتح الأرشيفات، كشف الوثائق، استجواب من بقي من الشهود والمسؤولين، وتتبع كل خيط، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.

أما أن يبقى الإمام موسى الصدر ورفيقاه مجرد صورة تُرفع كل عام، بينما تبقى الحقيقة مدفونة في مكان ما، فهذا ليس وفاءً لقضيتهم.

هذا هو بالضبط ما يجب أن نرفضه.

الإمام الصدر ليس ذكرى.

الإمام الصدر قضية لم تُغلق.

والسؤال سيبقى:

من المستفيد من أن تبقى الحقيقة غائبة؟