ظريف و«إعلان النصر»: عندما تُعاد صياغة الهزيمة على هيئة صفقة

يعود محمد جواد ظريف بعباءة «صانع السلام» ليقترح أن تستخدم طهران «تفوقها لا لمواصلة القتال، بل لإعلان النصر والسعي إلى صفقة تُنهي الصراع». عبارة جذّابة في ظاهرها، لكنها في جوهرها إعادة تدوير للوصفة ذاتها التي انتهت إلى خُطّة العمل الشاملة المشتركة (المعروفة إعلاميًا بـ الاتفاق النووي الإيراني) بكل وعودها التي لم تصمد أمام أول اختبار. الرجل الذي لم ينجح في توصيف ما يجري ولا تفسير أسبابه، يقدّم نفسه اليوم بوصفه «المخلّص».
ما يطرحه ليس جديدًا: الصيغة نفسها التي سُوّقت قبل الحرب عبر قنوات غير مباشرة مع فريق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب — تخصيب دون 3.67% مقابل وعود برفع العقوبات. ولا يحتاج أن نذكر بأن مضيق هرمز كان مفتوحًا لجميع السفن قبل الحرب وقبل قيام الولايات المتحدة باغتيال قائد الثورة الإسلامية آيت الله خامنئي. الفارق أن هذه الصيغة تُعرض الآن بعد حرب مدمّرة، وكأنها «إعلان نصر» لا تسوية من موقع الاستنزاف.
«الميدان» شماعة الفشل
اقتباسه الشهير يعود ليطارده: «ضحّيتُ بالدبلوماسية من أجل الميدان العسكري». اليوم يعيد الفكرة ذاتها بصورة غير مباشرة: السياسة كانت تعرف الطريق، لكن «الميدان» هو من أفشلها. هكذا تُختصر أعقد لحظات الصراع في ثنائية تُحمّل العسكريين مسؤولية تعثّر مسارٍ لم تُثبت الوقائع أنه كان قابلًا للحياة أصلًا، في ظل مقاربة أمريكية تستخدم التفاوض أداة ضغط لا مسار حل.
والتاريخ الإيراني يقدّم أمثلة قاسية حين غاب «الميدان» فخسرت البلاد في ظل رجال السياسة:
كاملُ منطقةِ القوقاز ✌ أفغانستان (وخاصةً هِرات) ✌ مناطقُ النفوذِ التاريخيِّ الإيراني في آسيا الوسطى والبحرين
وفي الميدان الذي قاده ظريف دبلوماسيًا، كانت النتيجة صبُّ الخرسانة في المفاعلات النووية الإيرانية مقابل لا شيء سوى مزيد من العقوبات وحربين متتاليتين على إيران.
توصيف الاستهداف: من «متعمد» إلى «عشوائي»
يمرّ ظريف على قتل المدنيين بوصفه «عشوائيًا». توصيف لغوي يبدو صغيرًا، لكنه سياسيًا بالغ الدلالة: تحويل الاستهداف المتعمّد إلى أثر جانبي للفوضى. هذه اللغة ليست تفصيلًا؛ إنها تمهيد نفسي لفكرة «الانتقال إلى الصفقة».
شماعة «الوفد غير الكفوء»
يربط ظريف فشل المسار التفاوضي بضعف كفاءة المبعوثين الأمريكيين. لكن السؤال الأهم يتجاهله: ماذا لو لم تكن المشكلة في كفاءة الأشخاص، بل في طبيعة الاستراتيجية الأمريكية نفسها؟ ماذا لو كان التفاوض جزءًا من إدارة الصراع لا إنهائه؟ بل وظريف يتناسى ما قامت به الولايات المتحدة من محاولة اغتيال كمال خرازي — الذي كان ظريف يومًا موظفًا عنده — وكان بحسب بعض الأخبار يتواصل مع إسلام آباد التي تطرح نفسها وسيطًا في الحرب الدائرة اليوم.
مضيق هرمز… إعادة تعريف المشكلة
يعيد ظريف تعريف الأزمة باعتبارها «مضيقًا مغلقًا» أمام إيران. بينما الواقع أن المشكلة لم تكن في الجغرافيا بقدر ما كانت في العقوبات التي خنقت التصدير والتحويلات. هكذا تتحول مسألة ميزان القوة إلى سردية ممر مائي.
التقاطع مع رواية ترامب
تتقاطع أطروحته مع رواية ترامب عن «قيادات جديدة أكثر عقلانية». ما يقدّمه ظريف يبدو، في نظر كثيرين، برهانًا عمليًا على ذلك: عرض الصيغة نفسها التي كانت مطلوبة قبل الحرب، ولكن بعد أثمان أعلى.
إعادة إنتاج التجربة ذاتها
جوهر المقال دعوة صريحة لإعادة إنتاج المسار نفسه: قيود نووية، وعود برفع العقوبات، وتعويل على تغيّر السلوك الأمريكي. الأدوات نفسها، والافتراضات نفسها، لكن في سياق أشد قسوة.
السؤال الذي يظل بلا جواب: إذا كانت هذه الرؤية لم تمنع سابقًا الانسحاب الأمريكي ولا التصعيد ولا الحرب، فما الذي يجعلها اليوم «إعلان نصر» لا تكرارًا للتجربة ذاتها؟
ظريف يرفض الاعتراف بفشل سنواته في الخارجية، ويصرّ على إعادة التجربة. النتائج واضحة: سنوات من التعويل الخاسر. لم يكن وزيرًا ناجحًا، ولن يصنع من تكرار الوصفة إنجازًا سياسيًا.
الخلاصة أن ما يُقدَّم اليوم ليس رؤية جديدة، بل إعادة تغليف قديم. محاولة لتحويل تسوية مُستنزِفة إلى «نصر»، وتبديل أسماء الأشياء دون تغيير جوهرها. وفي لحظاتٍ تاريخيةٍ حاسمةٍ، لا يكون أخطرَ من الخطأ إلا الإصرارُ على تكراره، ولا يفعلُ ذلك إلا الأكثرُ عارًا.