القنابل توقفت، لكن الحقيقة لا تزال تنفجر

بقلم: المراقب
وقف إطلاق النار في جنوب لبنان ليس سلاماً. إنه مجرد توقف مؤقت، أنفاس ضحلة خادعة بين الضربات. القنابل توقفت عن السقوط الآن، لكن الصمت ليس مصالحة. بل ترقب. وتحت ذلك الصمت، يظهر شيء أكثر خطورة على النظام العالمي القديم: ليس الهزيمة، بل التحدي.
ما حدث على مدار أسابيع من القصف الإسرائيلي لم يكن مجرد فصل آخر في حرب طويلة. لقد كان اختباراً للقوة — وبهذا المقياس، فشلت إسرائيل وشركاؤها الأميركيون. فشلاً ذريعاً.
دعونا نكون ساخرين من الروايات القادمة من تل أبيب وواشنطن. يتحدثون عن دقة، وضرورة، ودفاع عن النفس. لكن الصحافي ليث معروف، الذي نقل من تحت الأنقاض في تقرير كريس هيدجز، شهد شيئاً مختلفاً تماماً: «إبادة على غرار غزة» حلت بجنوب لبنان. قرى بأكملها سويت بالأرض في دقائق. مئات القتلى. مقابر تاريخية، ومعالم، وذاكرة الأرض ذاتها — مُحيت. لم تكن هذه حملة جراحية. بل كانت عقاباً جماعياً يُلبس ثوب المصطلحات العسكرية.
ومع ذلك، لم تحقق إسرائيل هدفها الأساسي. لم يُكسر حزب الله. بل تكيف مقاتلوه — مستخدمين طائرات مسيرة، وأسلحة مضادة للدروع، ومعرفة حميمة بالتضاريس — لنصب كمائن للأعمدة المدرعة وتدمير الدبابات. بقيت بلدات استراتيجية غير محتلة. آلة الحرب الإسرائيلية الممجدة، التي يحتفى بها في الإحاطات الصحفية الغربية، أظهرت حدودها. والأسوأ لتل أبيب: الإدراك مهم في الحرب الحديثة. والإدراك الآن هو تجاوز الحدود دون نصر.
ثم جاءت الصورة التي تقلب كل منطق للحرب الغربية. مع سريان وقف إطلاق النار، عاد أبناء الجنوب. ليس بحذر. ليس منكسرين. عادوا إلى بيوتهم المدمرة — يرقصون، يتجمعون، يجلسون في الأنقاض وكأنهم يقولون: دمرتم جدراننا، لكن ليس إرادتنا. هذه ليست سلوكيات شعب منهزم. بل هي وقفة شعب يعرف شيئاً لا يعرفه أعداؤه.
ما نجا من القنابل لم يكن بنية تحتية. بل شيء أصعب بكثير لتدميره: الارتباط بالأرض، بالمجتمع، بالمقاومة.
الولايات المتحدة، بالطبع، لعبت دورها المألوف — تسليح إسرائيل، واستخدام الفيتو ضد أي مساءلة في الأمم المتحدة، والحديث عن خفض التصعيد بينما تغذي التصعيد. لكن حتى قبضة واشنطن بدأت ترتخي. وقف إطلاق النار هذا لم يتشكل فقط بإملاء أميركي. بل برز تحت ضغط من إيران، ومضيق هرمز، وتدفقات الطاقة العالمية التي تذكرنا بأن لبنان ليس مجرد ساحة معركة — بل عقدة في نظام يمكن فيه لصراع إقليمي أن يتحول إلى أزمة عالمية بين ليلة وضحاها.
ادعاء ليث معروف من الأرض هو ما كان ليبدو قبل عقد من الزمن أمراً لا يُصدق: «ما نراه اليوم هو نهاية الهيمنة الغربية». إنه تصريح جريء. لكنه يعكس واقعاً متنامياً. قوة إقليمية صمدت أمام جيش متفوق تقنياً. تم التفاوض على وقف إطلاق نار ليس فقط بشروط واشنطن. ساحة المعركة لم تنتج فائزاً واضحاً — لكنها كشفت حدوداً واضحة.
وفي الجيوسياسية، الحدود هي كل شيء. فعندما تثبت القوة أنها محدودة، لم تعد مطلقة.
لذا لا، الحرب لم تنتهِ. القنابل قد تعود. وقف إطلاق النار قد ينهار. لكن شيئاً قد تغير بالفعل — بشكل محسوس، وبشكل لا رجعة فيه. حملة قصد بها فرض النظام كشفت بدلاً من ذلك عن عدم استقرار. حرب قصد بها إظهار السيطرة كشفت بدلاً من ذلك عن مقاومة. القواعد القديمة — تلك التي حكمت القوة والحرب والهيمنة لعقود — لم تعد صامدة.
لبنان يجدد مرة أخرى وقوعه في مركز شيء أكبر بكثير من نفسه. ليس مجرد ساحة معركة. بل إشارة. وما سيحل محل النظام القديم… لم يُحسم بعد. لكن إذا كان لأهل الجنوب كلمة فيها، فلن تكتب في واشنطن أو تل أبيب. بل ستكتب في الأنقاض — من قبل أولئك الذين عادوا ليرقصوا.