بين المطرقة والصليب: من دبل إلى واشنطن… حين يُهان المسيح باسم المسيحية

في جنوب لبنان، لم تكن الصورة التي خرجت من بلدة دبل مجرد حادثة عابرة. جندي من جيش الاحتلال الإسرائيلي يرفع مطرقة ويهوي بها على تمثال السيد المسيح المصلوب. مشهد صادم، لكنه في الحقيقة أصدق من آلاف الخطب السياسية، لأنه كشف ما تحاول الدعاية إخفاءه: احتلال يزعم الدفاع عن “القيم الغربية” بينما يعتدي على أقدس الرموز المسيحية في أرضٍ عربية عاش فيها المسيحيون قرونًا.
دبل، البلدة المارونية الجنوبية، ليست مكانًا هامشيًا. إنها جزء من جغرافيا دفعت ثمن الاحتلال والعدوان والحروب. ولذلك فإن الاعتداء على الصليب هناك لا يُقرأ كتصرف فردي، بل كرسالة احتقار لهوية الناس وتاريخهم وإيمانهم.
لكن المشهد لا يقف عند حدود فلسطين ولبنان. فالمطرقة التي ضُرب بها الصليب في دبل، تجد صداها السياسي في واشنطن.
هناك، يقدّم دونالد ترامب نفسه حاميًا للمسيحية، فيما يحيط نفسه بتيار “الصهيونية المسيحية” الذي يرى في دعم إسرائيل واجبًا دينيًا، لا أخلاقيًا ولا سياسيًا. هذا التيار لا ينطلق من محبة المسيحيين الشرقيين، ولا من حماية كنائسهم، بل من قراءة عقائدية تعتبر قيام إسرائيل تمهيدًا لنبوءات آخر الزمان.
ولهذا، حين تُقصف كنائس غزة، أو يُعتدى على رجال الدين في القدس، أو يُحطم صليب في جنوب لبنان، يصمت هؤلاء. لأن المسيحي العربي، بالنسبة لهم، ليس جزءًا من الرواية.
ترامب نفسه ذهب بعيدًا في توظيف الرمزية الدينية، عبر صور دعائية ظهر فيها بصورة منقذ أو محاطًا بالمسيح، بينما كانت إدارته تمنح الاحتلال غطاءً سياسيًا وعسكريًا مفتوحًا. هذا ليس تدينًا، بل استثمار سياسي في الإيمان.
أما جي دي فانس، الذي يقدَّم كوجه محافظ جديد، فقد انخرط بدوره في خطاب يعتبر الغرب المسيحي مهددًا، لكنه يتجاهل أن أكثر من يُهان اليوم في الشرق هم المسيحيون أنفسهم تحت الاحتلال والتطرف. الدفاع عن المسيحية لا يكون بدعم من يدنّس الكنائس، ولا بتبرير قتل الفلسطينيين واللبنانيين.
هنا تتجلى المفارقة الكبرى: من يرفع شعار المسيحية في واشنطن، يساند من يحطم المسيح في دبل.
وفي المقابل، حين اجتاحت داعش والنصرة بلدات مسيحية في سوريا، مثل معلولا التاريخية، كانت قوى المقاومة في الميدان تقاتل لمنع سقوطها. استهدفت الجماعات التكفيرية الكنائس، وخطفت الراهبات، وحاولت اقتلاع مجتمع مسيحي عريق يتحدث الآرامية.
وعندما تحررت معلولا، لم يكن المشهد حفلات انتقام، بل إعادة إعمار الأديرة والكنائس وعودة السكان. وهنا يظهر الفارق بين من يستخدم الدين لتبرير الهيمنة، ومن يقاتل لحماية التعددية.
حزب الله، رغم مرجعيته الشيعية، وقف مرارًا في الدفاع عن قرى وبلدات مسيحية في الجنوب، وتعامل مع المسيحيين كشركاء في الوطن لا كأقليات تُستعمل. بينما قدّمت التنظيمات التكفيرية ذات الخطاب السني المتشدد نموذجًا قائمًا على الإلغاء والتهجير والتدمير.
حادثة دبل تختصر صراعًا أكبر من تمثال مكسور. إنها صراع بين مشروعين:
مشروع يستعمل الله لتبرير الاحتلال. ومشروع يرى الدفاع عن الإنسان عبادة بحد ذاتها.
حين تُرفع المطرقة على الصليب، لا ينكشف الجندي فقط… بل ينكشف أيضًا السياسي الذي موّلَه، والواعظ الذي برّره، والإعلامي الذي صمت عنه.
#لبنان #دبل #حزبالله #المقاومة #ترامب #جيديفانس #الصهيونيةالمسيحية #معلولا #سوريا #المسيحيونفيالشرق #الاحتلال_الإسرائيلي #داعش #النصرة #غزة #القدس # المراقب