من “التنسيق الأمني” إلى الاستهداف السياسي: هل تنضم دمشق إلى مشروع ضرب حزب الله؟؟

التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزارة الداخلية السورية لا يمكن قراءتها كمجرّد موقف أمني عابر، بل تعكس تحوّلاً سياسياً عميقاً داخل دمشق، يتقاطع بشكل متزايد مع المشروع الأميركي ـ الخليجي الرامي إلى محاصرة حزب الله وإضعافه تحت عناوين “ضبط الحدود” و”التعاون القضائي”.
ففي تصريحات لقناة “العربية/الحدث”، اتهمت الداخلية السورية حزب الله بإيواء شخصيات متورطة بجرائم تعود إلى مرحلة النظام السوري السابق، مؤكدة أنّ عدداً من المطلوبين فرّوا إلى لبنان بعد سقوط النظام، وأن دمشق تعمل مع السلطات اللبنانية لاستعادتهم ومحاكمتهم.
لكن توقيت هذه التصريحات ليس بريئاً.
فهي جاءت بعد أيام قليلة من زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى دمشق ولقائه الرئيس السوري احمد الشرع في قصر تشرين، حيث تحدّث سلام لاحقاً عن “نتائج ستظهر قريباً”، وعن إنشاء مجلس أعمال مشترك وتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.
ظاهرياً، يبدو المشهد وكأنه محاولة لإعادة تطبيع العلاقات اللبنانية ـ السورية. لكن بالنسبة لكثيرين في بيئة المقاومة، فإن ما يجري يتجاوز الاقتصاد والتنسيق الأمني، ليدخل في إطار إعادة صياغة العلاقة بين بيروت ودمشق وفق شروط أميركية وإقليمية جديدة، يكون حزب الله فيها الهدف الأساسي.
السؤال لم يعد: هل تريد واشنطن إضعاف حزب الله؟ فهذا هدف معلن منذ سنوات عبر العقوبات والحصار المالي والحرب النفسية والضغط الدبلوماسي.
السؤال الحقيقي اليوم هو: هل بدأت السلطة السورية الجديدة تنخرط تدريجياً في هذا المسار؟
منذ عام 2013 وحتى سنوات الحرب الأخيرة، قاتل حزب الله إلى جانب الجيش السوري ضد “داعش” و”جبهة النصرة” وفصائل مسلحة أخرى، وخسر مئات المجاهدين في معارك القلمون وحلب وريف دمشق وغيرها. يومها، كانت دمشق تعتبر الحزب شريكاً استراتيجياً في منع سقوط الدولة السورية وتفككها.
أما اليوم، فإن الخطاب السياسي الصادر من بعض المؤسسات السورية بات يقترب بشكل لافت من خطاب خصوم الحزب الإقليميين.
وهنا تكمن خطورة التحوّل.
فالحدود اللبنانية ـ السورية الممتدة لنحو 375 كيلومتراً لطالما شكّلت مساحة معقدة للتداخل الأمني والاقتصادي والعسكري. لكن نقل حزب الله إلى قلب الملف الأمني الجديد يعني عملياً تحويل العلاقة الثنائية إلى منصة ضغط سياسي وأمني عليه.
ويرى منتقدو حكومة نواف سلام أن ما يجري ليس منفصلاً عن المشروع الأميركي الأشمل في لبنان:
تفكيك بنية حزب الله السياسية والعسكرية والمالية، وعزل الحزب عن عمقه الإقليمي الممتد عبر سوريا.
المؤشرات على ذلك تتزايد منذ أواخر 2024:
- ضغوط غربية متصاعدة لضبط المعابر الحدودية،
- تشديد الرقابة على الشبكات المالية المرتبطة بالحزب،
- ومحاولات إعادة تعريف مفهوم “سيادة الدولة” بما يستهدف مباشرة سلاح المقاومة.
وفي المقابل، تستمر الاعتداءات الإسرائيلية شبه اليومية على الأراضي اللبنانية والسورية، فيما يركّز الخطاب الدولي حصراً تقريباً على حزب الله، لا على الانتهاكات الإسرائيلية.
وهنا يظهر التناقض بوضوح:
لماذا يُطرح مفهوم السيادة فقط عندما يتعلق الأمر بسلاح المقاومة، بينما تُتجاهل الخروقات الجوية الإسرائيلية للبنان والضربات المتكررة داخل سوريا؟
ولماذا يُقدَّم حزب الله كعامل “زعزعة”، فيما تُمنح الاعتداءات الإسرائيلية توصيفات مرتبطة بـ”الأمن والدفاع”؟
ثم السؤال الأهم:
هل تستطيع دمشق فعلاً تثبيت استقرارها الداخلي الهش إذا دخلت في مواجهة سياسية مفتوحة مع القوى التي ساهمت سابقاً في منع انهيار الدولة السورية؟
لا يعني ذلك إعفاء حزب الله أو أي جهة مسلحة من النقد أو المساءلة السياسية. لكن اختزال العلاقة اللبنانية ـ السورية بملف أمني موجّه ضد الحزب يهدد بتحويل “التنسيق” إلى أداة اشتباك إقليمي جديد.
المنطقة تدخل مرحلة مختلفة:
تحالفات تتبدل، وإعادة الإعمار تُستخدم كورقة سياسية، والخطاب الناعم حول “الشراكة” يخفي خلفه إعادة تموضع جيوسياسي عميق قد تكون نتائجه أكبر بكثير مما يُعلن اليوم.
#لبنان #سوريا #حزبالله #محورالمقاومة #نوافسلام #دمشق #الشرقالأوسط #سياسة #المراقب
](https://t.me/observer_5/1422)