منهاج السفارة كُتب في السفارة

لكي نعرف لماذا هو "منهاج سفارة"، علينا أن نراجع كيف يُكتب "منهاج الحكومة" أولاً. يقوم رئيس الجمهورية بتكليف الكتلة النيابية المتحالفة الأكبر بتقديم مرشحها ليقوم بتكليفه بتشكيل الحكومة. تلك الكتلة تكون قد قدمت برنامجها الانتخابي الذي يُفترض أن الناس انتخبتها لتنفيذه؛ فإذا فازت بمقاعد كافية لتشكيل الحكومة وحدها، صار ذلك البرنامج هو البرنامج الحكومي، وإن لم يكفِ، يبدأ مرشح الكتلة بالبحث عن حلفاء يرضون بذلك البرنامج بأقل تغيير ممكن لإكمال عدد المقاعد اللازمة، ولذلك فهو يذهب إلى أقرب الكتل لبرنامجه. وفي النهاية، تقدم الحكومة برنامجها المعدل حسب التحالفات للبرلمان ليناقشه، ويناقش الوزراء الذين اختارهم المكلف بتشكيل الحكومة.
في العراق، جيء بمكلف من السفارة؛ لذا فهو لا يملك برنامجاً سوى برنامج السفارة! وقام بتقديمه قبل أن يشكل الحكومة والتحالفات ويأخذ موافقتهم عليه، وهو ما يؤكد أن الوزراء القادمين لن تكون لهم كلمة في برنامج وزاراتهم، بل سيقدمون أنفسهم كمأجورين للحصول على المال والرشا في حكومة محاصصة شديدة الصراحة، وعصابة لا تداري حقيقتها.
عدا هذا، سنهمل حالياً الإشكالات التي أثارها النائب السابق الدكتور رائد المالكي حول صلاحية "الإطار التنسيقي" لاعتباره "كتلة نيابية متحالفة" وفق الدستور، وكذلك صلاحية مكلفه بسبب مخالفات تضارب المصالح وانعدام الخبرة السياسية التام (وأضيفُ لها "سوء السمعة")، وكلها شروط دستورية محددة، وليس هناك من سبب للإطار لتجاوزها كلها، ولا يستطيع فعل ذلك في العراق إلا الله والسفارة! سنتجاهل هذا الآن، وسنبحث عمن كتب المنهاج، وكيف كُتب، وبأية لغة كُتب النص الأصلي.
نلاحظ أن النقطة الأولى في المحور الأول هي "حصر السلاح بيد الدولة". ومن المؤكد أن حكومة تريد أن تظهر بمظهر الحريص على الشعب لن تكتب هذه الجملة المشبوهة لدى غالبية الشعب العراقي بهذه الصراحة في أول سطر من منهاجها؛ فهي بالتأكيد ليست المشكلة الأكثر أهمية من وجهة نظر الشعب، لكنها الأكثر إثارة لاهتمام السفارة، التي تجبر الحكومات الأكثر انبطاحاً لها، مثل حكومة عون في لبنان واليوم العراق، على المضي فيها مهما كان رأي الشعب ومهما كان الإحراج للحكومة.
ونلاحظ أن كل النقاط المتعلقة بـ "السيادة" عبارة عن تعبير عن "سيادة السفارة" على البلد؛ فمفهوم "تعزيز هيبة الدولة" لم يُستعمل في العراق إلا باستعراض قوة الدولة وعنفها تجاه المتظاهرين ضد السفارة أو في حماية جواسيسها ومؤسساتها. النقاط الأخرى تتحدث عن "تطوير" الحشد وتحديد مسؤولياته ومهامه، وهو ما نترجمه بثقة إلى دمجه تحت سلطة عميل السفارة الكاملة. ويندرج تحتها أيضاً العبارة الغريبة: "توحيد القرار الأمني"، وكذلك ما يفهمه العراقيون والمبتلون من أمثالهم من "مكافحة الإرهاب" و"تجفيف منابع تمويله".
العبارة السفارية الوقحة الأخرى هي "إبعاد العراق عن محاور الصراع الإقليمي والدولي"؛ والغريب أن من يضغط على العراق في هذا الأمر لا يبعد نفسه عن ذلك الصراع، بل يطالب ضحايا الصراع بـ "إبعاد أنفسهم" عنه! كذلك فإن "توفير بيئة آمنة للاستثمار" هي العبارة التي عبر عنها العميل المنصرف السوداني حين قال إن اختطاف "المواطنة الروسية" يهدد "البيئة الآمنة للاستثمار"؛ (رغم أن روسيا ليس لها علاقة بالاستثمار ولم تنزعج أبداً من الاختطاف، فهي عبارة حُقنت في فم السوداني مثلما حُقنت في برنامج علي فالح، ومن قِبَل الجهة ذاتها).
يتخذ برنامج العميل الجديد خطوة إضافية في الزحف نحو محور "إسرائيل"؛ فبعد أن يكتب عن "العلاقات المتوازنة"، يعود ليؤكد على العلاقات مع "الدول المؤثرة دولياً". أما "تعزيز مكانة الجواز العراقي" فهي عبارة مضحكة تختص بها حكومات العراق دون غيرها، وتلعب على وتر عدم إحساس المواطن بالاحترام في الخارج لأن حكومات العمالة لم تحترمه ولم تحترم سيادته. وننبه أيضاً إلى عبارة "ضبط محتويات منصات التواصل"، وهي القضية التي تشغل بال "إسرائيل" وترامب أكثر من أية جهات أخرى، والتي قام السوداني بتأثيرها بإغلاق منصة "تلغرام".
على الجانب الآخر، نجد الجنون الذي لم يسبق له مثيل في عبادة "الاستثمار" و"القطاع الخاص" و"المؤسسات الدولية" و"المعايير المصرفية الدولية". ونريد التركيز على بضع عبارات:
1. بناء شراكات استراتيجية مع شركات النفط العالمية: عبارة خطيرة تشي بنية هذه الحكومة تحويل "عقود الخدمة" إلى "عقود شراكة" أسوة بعقود كردستان، والتي تمنح الشركات أربعة أضعاف ما تمنحه عقود الخدمة.
2. تأسيس "صندوق الأجيال": وهو أحد المشاريع الخطيرة التي كانت ضمن المشروع التدميري لتأسيس "شركة النفط الوطنية"، والتي تم إلغاؤها سابقاً من قبل المحكمة الاتحادية لأنها تهدد بتدمير الثروة النفطية.