رؤية واحدة، حرب واحدة: طاولة إيران التفاوضية تجلس على الميدان

صرّح الدكتور حسين باك، العضو المرافق للوفد الإيراني المفاوض، بما حاول الغرب إنكاره لأشهر: "يوجد تنسيق عالٍ ومباشر بين إيران والمقاومة في لبنان في إدارة المعركة الحالية، ليس على المستوى العسكري فقط، بل ضمن رؤية واحدة تشمل المسارات الدبلوماسية والاقتصادية والميدانية معًا."
هذا ليس اعترافاً، بل إعلان لواقع استراتيجي.
لنتفحص التسلسل: الرد الإيراني الأخير على المقترح الأميركي، الذي نُقل عبر الوسطاء الباكستانيين، كان "واضحاً وحاسماً: لا يمكن للمرحلة الأولى من المفاوضات أن تنجح من دون وقف الحرب على لبنان." ليس تفضيلاً، ولا اقتراحاً—بل شرط مسبق. لقد جعلت طهران صريحاً ما فهمه المحللون طويلاً: الميدان وطاولة التفاوض ليسا مجالين منفصلين، بل وحدتا معالجة متوازيتان في الحساب الاستراتيجي نفسه.
الأرقام تجعل هذا ملموساً. حتى اليوم، قُتل 39 شخصاً في يوم واحد من القصف الإسرائيلي، مع استمرار الغارات خلال نهاية الأسبوع. أكثر من 850 لبنانياً قُتلوا منذ استئناف الحرب، وفق أرقام وزارة الصحة اللبنانية. لا ينظر محور المقاومة لهذه الأرقام كإحصائيات منفصلة عن المسار الدبلوماسي—بل كنقاط ضغط فيه.
الآن، الأسئلة النقدية التي يطرحها المراقب على قرائه:
أولاً: إذا أصرت واشنطن على "فصل المسارات"—أي متابعة وقف إطلاق النار في لبنان عبر محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، بينما تتفاوض مع إيران في إسلام أباد—فما المعنى حين يعلن الطرف الذي يقاتل فعلاً في لبنان أن لا فصل بينهما؟ لقد قام مذهب بايدن/ترامب على "فصل" الملف النووي الإيراني عن سلوكها الإقليمي. وتصريح الدكتور باك هو رفض طهران الرسمي لهذا الإطار.
ثانياً: هل العمل العسكري الذي تصفه إيران بأنه "ورقة ضغط جاهزة للاستخدام" هو حقاً ورقة ضغط، أم أن واشنطن تثبت أنها تستطيع إدامة حرب متعددة الجبهات إلى ما لا نهاية؟ فرضت أميركا حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية منذ 13 أبريل، وأعادت 61 سفينة تجارية وعطّلت أربعاً. قصفت القوات الأميركية ناقلتي نفط إيرانيتين يوم الجمعة الماضي فقط. الطرفان يضغطان. من لديه قدرة أكبر على تحمل الألم؟
ثالثاً، والأكثر إزعاجاً للباحثين عن السلام: حين تقول إيران إن العمل العسكري "سيُفعّل عندما تقدّر القيادتان أنّ تفعيلها يتناسب مع الإمكانات الموجودة وبنفس الوقت مفيداً لتعديل مسار المعركة ورفع كلفة استمرار العدوان"—فهل هذا ردع أم إدارة تصعيد؟ أم هو منطق طرف خلص إلى أن الألم وحده هو ما ينتزع التنازلات؟
من منظور محور المقاومة، التنسيق الذي يصفه الدكتور باك ليس عبئاً يجب إخفاؤه—بل الأصل الاستراتيجي الذي يجب الإعلان عنه. مفهوم "وحدة الساحات"، الذي استشهد به مراراً قائد فيلق القدس إسماعيل قآني في تصريحاته يومي 17 و26 أبريل 2026، يضع لبنان وغزة واليمن والعراق كجبهات متكاملة. لقد صرّح قآني بأن "الوحدة والتلاحم في جبهة المقاومة صارا أقوى وأكثر رسوخاً من أي وقت مضى" وأن "حزب الله لا يقف وحيداً." التنسيق عبر هذه الجبهات، في هذا الإطار، ليس دعماً—بل هو هيكل قيادة.
لكن العدسة التحليلية يجب أن تبقى حادة. المقترح الإيراني ذو المراحل الثلاث—أولاً، وقف إطلاق النار مع ضمانات بعدم تجدد الهجمات على إيران ولبنان؛ ثانياً، التعاون البحري في مضيق هرمز؛ ثالثاً، المحادثات النووية—لا يزال دون أي إجابة جادة. وصف ترامب الرد الإيراني بأنه "غير مقبول بالكامل" دون تفاصيل. الموقف الأميركي، كما عبّر عنه مسؤول في الخارجية، فجّ: "لن يُسمح لإيران بأن تملي مستقبل لبنان بعد الآن."
التناقض صارخ. إيران تصر على أن لبنان جزء لا يتجزأ من أي تسوية. واشنطن تصر على أنه ليس كذلك. أما الشعب اللبناني، الذي يتحمل التكلفة اليومية لسقوط 39 قتيلاً آخر، فمحاصر في وسط مصارعة أذرع جيوسياسية حيث يقول له الطرفان إنهما "يدافعان" عنه.
هاكم الحقيقة المرة لكل طرف على الطاولة: كلما طال أمد الحرب، كلما صار إطار الدكتور باك هو الواقع—ليس لأن التنسيق يتعمق، بل لأن البقاء يفرضه. السؤال هو: هل سيدرك المفاوضون الغربيون هذه الديناميكية قبل أن يتحول لبنان إلى ركام، أم بعد فوات الأوان؟
الميدان، كما تؤطره إيران، هو جزء من طاولة التفاوض. والسؤال لقرائنا: هل العكس صحيح أيضاً؟ هل طاولة التفاوض مجرد امتداد للميدان؟
#المراقب #تنسيقإيرانلبنان #محورالمقاومة #حربلبنان #مفاوضاتهرمز #محادثاتأميركاإيران #الدكتورحسين_باك