من المقاومة إلى شيطنة طائفة كاملة؟ لبنان أمام انزلاق خطير

أثارت تصريحات متداولة نُسبت إلى النائب نبيل كسرواني جدلاً واسعاً في لبنان، بعدما تحدثت منشورات إعلامية عن طرحه فكرة سحب الجنسية من جزء من الشيعة اللبنانيين وترحيلهم إلى العراق. سواء كانت التصريحات دقيقة بالكامل أو جرى تضخيمها أو توظيفها سياسياً، فإن ردود الفعل كانت عنيفة، ووصلت إلى حملات مقاطعة ضد شركات مرتبطة باسمه، أبرزها “SANITA”.
لكن خلف الغضب الشعبي، هناك سؤال أخطر بكثير:
كيف تحوّل جزء من اللبنانيين إلى هدف للاتهام الجماعي فقط لأنهم ينتمون إلى بيئة المقاومة أو يعيشون في الجنوب؟
منذ بدء المواجهة على الحدود اللبنانية الفلسطينية في 8 أكتوبر 2023، تعرّض الجنوب اللبناني — خصوصاً مناطق بنت جبيل، مرجعيون، صور، والنبطية — لقصف إسرائيلي متواصل واغتيالات ودمار واسع ونزوح عشرات الآلاف من المدنيين.
وفي الوقت نفسه، تصاعد داخل لبنان خطاب سياسي وإعلامي بدأ يتعامل مع الشيعة ليس كمواطنين يتعرضون للعدوان، بل كعبء سياسي وديموغرافي مرتبط بخيارات حزب الله العسكرية.
هنا تحديداً يتحول الخلاف السياسي إلى خطاب طائفي خطير.
من الطبيعي أن يناقش اللبنانيون سلاح حزب الله، ودور إيران، ومستقبل الحرب والسلم، وسيادة الدولة. لكن الانتقال من نقد حزب أو تنظيم إلى التشكيك في انتماء طائفة كاملة أو شرعية وجودها يفتح الباب أمام كارثة وطنية.
لبنان جرّب هذا المسار سابقاً:
الحرب الأهلية بين 1975 و1990 دمّرت الدولة بسبب التحريض الطائفي.
بعد 2005 تصاعد الانقسام السني–الشيعي بشكل حاد.
وبعد الحرب السورية، ازدادت خطابات الكراهية والانقسام.
واليوم، بعد حرب غزة والتصعيد مع إسرائيل، يبدو أن بعض الخطابات اللبنانية تعيد إنتاج المنطق نفسه.
أما السرديات التاريخية حول “من هو السكان الأصليون” في لبنان، فهي مسألة معقدة ومحل جدل أكاديمي بين المؤرخين. هناك من يرى أن شيعة جبل عامل والبقاع يمثلون امتداداً سكانياً تاريخياً عريقاً في المنطقة، فيما تشير روايات تاريخية مارونية إلى ارتباطات وهجرات كنسية وتاريخية عبر بلاد الشام، بما فيها مناطق من سوريا الحالية. لكن استخدام التاريخ لنزع شرعية جماعة لبنانية معاصرة ليس بحثاً علمياً بل سلاحاً سياسياً خطيراً. معظم شعوب المشرق تشكلت عبر قرون من الهجرات والتداخل السكاني والتحولات الإمبراطورية.
القضية ليست من أتى أولاً.
القضية هي: هل ما زال لبنان يؤمن بالشراكة الوطنية؟
وهناك سؤال آخر لا يريد كثيرون مواجهته:
لماذا تصبح مقاومة الاحتلال الإسرائيلي “بطولة وطنية” في تجارب عربية معينة، لكنها تتحول إلى “خطر طائفي” عندما يقودها شيعة لبنان دفاعاً عن الجنوب؟
إسرائيل احتلت الجنوب اللبناني من 1978 حتى 2000. وفي حرب 2006 قُتل نحو 1200 لبناني ونزح قرابة مليون شخص. واليوم تدفع القرى الحدودية الثمن مجدداً، بينما يتحدث بعض السياسيين عن أهل تلك المناطق وكأنهم غرباء عن الوطن.
لبنان لا يستطيع أن يعيش إذا تحولت الطوائف إلى أعداء داخليين.
أسئلة لا بد منها
عندما يبدأ الخطاب السياسي باستهداف طائفة كاملة بدل مناقشة السياسات، إلى أين يمكن أن يصل لبنان؟
هل أصبحت مواجهة إسرائيل أقل أولوية من تصفية الحسابات الداخلية والطائفية؟
#لبنان #الجنوباللبناني #المقاومة #حزبالله #الطائفية #إسرائيل #غزة #محورالمقاومة #الشيعة #السياسةاللبنانية #المراقب