المأزق الأميركي مع إيران: هل تريد واشنطن تفاوضًا أم إدارة إمبراطورية

لم يعد فشل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران مجرد تعثّر دبلوماسي عابر، بل تحوّل إلى انعكاس لصراع أعمق بين رؤيتين للعالم: رؤية تقوم على فرض الهيمنة بالقوة، وأخرى تتمسك بمفهوم السيادة والصبر الاستراتيجي.
انهيار مسار إسلام آباد في أيار/مايو 2026 كشف هذا التناقض بوضوح. واشنطن تعاملت مع التفاوض بوصفه آلية لفرض “الشروط الأميركية”، بينما تعاملت طهران معه كعملية تفاوض بين دولتين ذات سيادة. الفارق هنا ليس لغويًا فقط، بل هو جوهر الأزمة نفسها.
منذ أكثر من عقدين، تتنقل الإدارات الأميركية بين العقوبات، والاغتيالات، والتهديد العسكري، والدبلوماسية المشروطة تجاه إيران. لكن إدارة دونالد ترامب الحالية دفعت هذا النهج إلى مستوى أكثر صراحة: تفاوض تحت فوهة السلاح. تصريح نائب الرئيس جي دي فانس بعد فشل مفاوضات إسلام آباد، عندما قال إن إيران رفضت “شروط الولايات المتحدة”، عكس ذهنية أقرب إلى الإدارة الإمبراطورية منها إلى التفاوض المتكافئ بين الدول.
الوفد الإيراني دخل المفاوضات بتشكيلة واسعة تمثل معظم التيارات السياسية: عباس عراقجي، علي باقري كني، محمد باقر قاليباف، خبراء اقتصاديون وعسكريون، وحتى شخصيات متشددة مثل محمود نبويان. الرسالة الإيرانية كانت واضحة: رغم الانقسامات الداخلية، هناك إجماع وطني على رفض الإملاءات الخارجية.
في المقابل، استمرت واشنطن بالاعتماد على شخصيات مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهما رجلَا أعمال أكثر منهما خبراء في الملفات النووية والأمنية المعقدة. هنا تكمن إحدى مشكلات المقاربة الأميركية: سوء فهم بنية الدولة الإيرانية ونفسيتها السياسية. فالضغط قد يضعف الاقتصاد، لكنه غالبًا ما يعزز التماسك القومي.
وهذه نقطة يكرر الغرب تجاهلها.
إيران ليست عراق 2003، ولا ليبيا 2011، ولا سوريا بعد 2011. نحن نتحدث عن دولة تضم نحو 90 مليون نسمة، تمتلك مؤسسات فاعلة، وشبكات نفوذ إقليمية، وقدرات صاروخية، وهوية حضارية ضاربة في التاريخ. حتى كثير من الإيرانيين المعارضين للجمهورية الإسلامية يرفضون فكرة إخضاع بلادهم عبر القصف أو العقوبات أو مشاريع تغيير النظام من الخارج.
هذا الأمر ظهر بوضوح بعد التصعيد الأميركي ـ الإسرائيلي خلال 2025 و2026. الضربات التي استهدفت بنى تحتية مدنية، ومحطات كهرباء، ومنشآت لتحلية المياه، ومراكز أبحاث، أثارت غضبًا واسعًا داخل إيران. صور الأطفال الذين قُتلوا في ميناب جنوب إيران بعد الضربات الصاروخية — والتي تحدثت تقارير عن تجاوز عددهم 160 طفلًا — غيّرت المزاج الداخلي من الاحتجاج السياسي إلى التعبئة الوطنية.
المفارقة هنا لافتة.
قبل التصعيد العسكري، كانت حكومة الرئيس مسعود بزشكيان تحاول فتح هامش سياسي داخلي أكبر. جرى الاعتراف علنًا بالأزمة الاقتصادية، واستُقبل بعض المحتجين، وظهرت مرونة إعلامية نسبية، كما أُقرت مساعدات مالية للفئات الفقيرة. لكن الحرب أعادت الأولوية للمنطق الأمني والعسكري.
والتاريخ يقول شيئًا واضحًا: الضغط الخارجي نادرًا ما يُنتج ليبرالية سياسية داخل الدول المحاصرة، بل غالبًا ما يعزز القبضة المركزية للدولة.
أما ملف مضيق هرمز، فيكشف بدوره عمق الخلاف القانوني والجيوسياسي. يمر عبر المضيق يوميًا ما بين 20 و21 مليون برميل نفط، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك النفطي العالمي. إيران تعتبر أن لها حقوقًا سيادية واسعة في مياهها الإقليمية وفق قراءتها للقانون البحري الدولي، بينما ترى واشنطن أن السلوك الإيراني يهدد حرية الملاحة العالمية. النتيجة هي تصاعد خطير في عسكرة الخليج، حيث يستخدم كل طرف القانون الدولي بصورة انتقائية تخدم مصالحه.
وفي الملف النووي، يتكرر المشهد نفسه. إيران تؤكد أن تخصيب اليورانيوم حق يكفله لها اتفاق منع الانتشار النووي، خصوصًا للأغراض السلمية، بينما تستمر واشنطن وحلفاؤها بالتشكيك بالنوايا الإيرانية رغم عدم وجود دليل حاسم على برنامج تسلح نووي فعّال وفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
لكن السؤال الأهم يبقى:
إذا كانت واشنطن تريد فعلًا الاستقرار في الشرق الأوسط، فلماذا تستمر بالتعامل مع التفاوض باعتباره عملية إخضاع لا تسوية؟
وسؤال آخر أكثر إزعاجًا:
هل تعلّمت الولايات المتحدة شيئًا من العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا، أم أن كل دولة ترفض الانصياع تُوضع تلقائيًا في خانة “العدو الذي يجب كسره”؟
المأساة الحقيقية أن الشعب الإيراني هو من يدفع الثمن الأكبر. عقوبات طويلة، انهيار العملة، تضخم، دمار في البنية التحتية، وضغط اقتصادي مستمر. ومع ذلك، لم تنتج هذه السياسات استسلامًا إيرانيًا، بل أنتجت صبرًا استراتيجيًا، وردعًا غير متماثل، وتماسكًا قوميًّا متزايدًا.