مفارقة بغداد: ترحيب بجنرال "الدم" وصمت رسمي مطبق أمام اختطاف مواطن عراقي
في الوقت الذي تصمت فيه الحكومة العراقية ومؤسساتها الرسمية صمتاً مطبقاً، دون إبداء أي رد فعل قضاءً أو سياسةً، إزاء إقدام مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) على اختطاف مواطن عراقي (محمد باقر السعدي) خارج حدود بلاده تحت غطاء اتهامات يأتي في رأسها ارتباطه بفصائل المقاومة المشروعة في العراق؛ يُستقبل في بغداد أحد أكبر جنرالات الحرب الأمريكيين وأكثرهم تلطخاً بدماء العراقيين.
إن استقبال رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، للجنرال المتقاعد ديفيد بترايوس وشكره على "جهوده"، يمثل مفارقة صارخة؛ فكيف يُكرَّم من قاد آلة الدمار والتجسس في العراق، بينما تصمت بغداد عن اختطاف مواطنها خارج الحدود؟
وتذكيراً بتلك "الجهود"، نستعرض باختصار أبرز الجرائم التي ارتبطت باسم بترايوس عسكرياً واستخباراتياً في العراق:
أولاً: جرائم فترة قيادة القوات متعددة الجنسيات (2007 - 2008):
◾️ مجزرة ساحة النسور (2007):
منح الحصانة القضائية للشركات الأمنية الخاصة وعلى رأسها "بلاكووتر"، مما أسفر عن تصفية 17 مدنياً عراقيًا بدم بارد دون أي مبرر.
مذابح القصف الجوي الأعمى:
تكثيف استخدام مروحيات "الأباتشي" وسط الأحياء السكنية، والتي فضحتها تسريبات "ويكيليكس" (تموز 2007) وأظهرت قتل الصحفيين والمارة وأطفالهم.
◾️ حصار وتدمير مدينة الصدر (2008): استخدام المدفعية الثقيلة والطائرات المسيرة في دك منطقة سكنية مكتظة، مما أدى إلى مقتل مئات المدنيين وقطع الإمدادات الطبية والإنسانية عنهم.
المداهمات الليلية العشوائية:
اقتحام المنازل بناءً على تقارير استخباراتية مضللة، مما أسفر عن تصفية عائلات كاملة (كالنساء والأطفال) في مضاجعهم، كما حدث في مجازر "الخالص".
الانتهاكات الممنهجة في معتقل "بوكا":
تضخم أعداد المعتقلين دون محاكمة وتحت إشرافه المباشر، وتوثيق الصليب الأحمر لحالات تعذيب جسدي ونفسي ممنهج بداخل المعتقل.
ثانياً: جرائم فترة رئاسته لوكالة المخابرات المركزية "CIA" (2011 - 2012):
مع الانسحاب الرسمي للقوات الأمريكية في ديسمبر 2011، قاد بترايوس تحويل الملف العراقي من "الحرب العسكرية الكلاسيكية" إلى "حرب الظل الاستخباراتية" التي استهدفت بنية المجتمع العراقي من خلال:
تأسيس أكبر محطة تجسس عالمية في بغداد:
دشن بترايوس داخل السفارة الأمريكية ببغداد أضخم مركز استخباراتي للوكالة في العالم، مخصص لزرع شبكات المراقبة الإلكترونية وتجنيد الجواسيس لرصد واختراق فصائل المقاومة والقوى الشيعية القريبة من إيران، بالتوازي مع رصد خلايا القاعدة (التي شكلت داعش لاحقاً).
إدارة غارات الطائرات المسيرة وتوجيه العمليات المشتركة:
تولت الـ CIA تحت إمرته توجيه طائرات الاستطلاع المسيرة فوق الحدود العراقية السورية، وتوظيف تلك المعلومات الاستخباراتية لتوجيه ضربات واغتيالات من خلال اختراق وتوجيه بعض الوحدات العراقية الخاصة (مثل الفرقة الذهبية).
إدارة السجون السرية:
الإشراف على شبكة النفوذ الاستخباراتي المظلم لممارسة عمليات استنطاق وتعذيب قاسية خارج رقابة القضاء العراقي.
إن هذه السيرة الملطخة بالدماء والتجسس، والموثقة في تقارير المنظمات الدولية، تجعل من تكبير شأن بترايوس والترحيب به في بغداد كـ "صانع سلام"، في ذات الوقت الذي تقف فيه الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها من الملاحقات الخارجية، خطوة تثير الكثير من التساؤلات حول معايير السيادة والعدالة لدى أعلى هرم قضائي في البلاد.