لماذا أتبنى فرضية اغتيال الشهيد رئيسي؟

علي عبدي
تحليل أمني لطريقة استشهاد رئيسي
إن إحدى أهم الوظائف الأساسية لأجهزة الاستخبارات والأمن في عالمنا المعاصر (إذا كانت كفؤة ومحترفة بالطبع)، هي التدخل في المسارات السياسية وتوجيهها من خلال:
۱. العمل المستتر (Action)
۲. العمليات السرية (Operations)
۳. عمليات الخداع
٤. الحرب النفسية
٥. الحرب الإدراكية (المعرفية)
٦. التجسس
٧. النفوذ والاختراق
وغيرها...
الهدف الأسمى للـ التلاعب السياسي (Political Manipulation) هو النفوذ والسيطرة الاستراتيجية على المسارات السياسية بما يخدم مصالح ورغبات الجهة المُتلاعِبة. وغالبًا ما يتضمن ذلك تكتيكات استخباراتية مخادعة أو غير أخلاقية تستخدمها الأجهزة الأمنية لتغيير الرأي العام، أو التأثير على دوائر صنع واتخاذ القرار، وبالتالي تغيير المسارات الكبرى والاستراتيجية، وهو ما يقع في صلب التخصص والمهمة الموكلة للأجهزة الأمنية والاستخباراتية. ويمكن أن يتخذ التلاعب السياسي أشكالاً متعددة، بما في ذلك الأساليب السرية، البروباغندا (الدعاية)، وتضليل المعلومات، وما إلى ذلك.
◾️ ومن أبرز الإجراءات في مجال التلاعب السياسي، هو تصفية الشخصيات المحورية في نظام سياسي ما عبر الطرق المعهودة مثل الاغتيال الجسدي، واغتيال الشخصية (المعنوي) وما شابه؛ وذلك بهدف إعماء، أو عرقلة، أو إفساد، أو تغيير المسار السياسي الذي رسمته تلك الشخصية، أو استبدال ذلك الوجه غير المرغوب فيه بوجوه مرغوبة من وجهة نظر الاستعمار، أو تحقيق كلا الهدفين معًا.
هذا هو بالضبط ما فعلته مرارًا وتكرارًا أجهزة الأمن التابعة لنظام الهيمنة العالمي، بما في ذلك وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، والاستخبارات البريطانية (MI6)، والموساد، وغيرهم.
◼️وفي هذا السياق تحديداً، يجب قراءة اغتيال الشهيد رئيسي:
تلاعب سياسي في المسار السياسي العام لإيران وجبهة المقاومة، حيث أدى غيابه عملياً إلى حدوث تحول مفاجئ وجذري في المسار العام لإيران ومحور المقاومة دفعة واحدة.
من هذا المنطلق، لو نظرنا إلى استشهاده حتى بطريقة المحققين الجنائيين، يتبادر إلى الذهن هذا السؤال:
من هي الجهات والتيارات التي حققت الاستفادة القصوى من غياب الشهيد رئيسي؟
الإجابة واضحة تماماً:
نظام الهيمنة والعدو الصهيوني، وبالتأكيد القوى السياسية الداخلية المرتبطة بهما.
لقد كان استشهاد رئيسي يحمل للكثيرين -داخل إيران وخارجها- أرباحاً ومكاسب هائلة، مكاسب لم يكونوا مستعدين للتخلي عنها بهذه السهولة.
بناءً على ذلك، كان هناك:
۱. إرادة الاغتيال
۲. إمكانية الاغتيال
۳. أدوات وتكنولوجيا الاغتيال
٤. الإجماع على الاغتيال
٥. خبرة الاغتيال
٦. نقاط الضعف الاستخباراتية والأمنية والحمائية في إيران
كل هذه العوامل كانت مهيأة ومتاحة.
إذن، ما الذي كان يمنع الاغتيال؟
والجواب:
لا شيء عملياً.
لم يكن هناك أي عائق.
أرضية الاغتيال والاستشهاد كانت مهيأة بالكامل، ولم يكن الأمر يحتاج سوى إلى ذريعة، وفرتها الزيارة إلى النقطة الحدودية. وخاصة مع تكشف دور نظام باكو علنًا في حرب الـ 12 يومًا وتعاونه الأمني الوثيق مع العدو الصهيوني، فإن ذلك لا يترك أي مجال للشك في استشهاده (اغتياله).
إن كل المصائب التي حلت بجبهة المقاومة هي في الحقيقة نتاج مباشر لاستشهاده، وفرصة تاريخية وُضعت تحت تصرف العدو الصهيوني وأمريكا والقوى التابعة لهما في الداخل بعد أحداث 7 أكتوبر. وهي فرصة تاريخية كانت إسرائيل بحاجة ماسة إليها لقلب أوراق الميدان لصالحها. فرصةٌ حوّلت جبهة المقاومة، في غضون أشهر قليلة، من صاحب اليد العليا في الميدان، لتكتوي بنار استشهاد السيد حسن (نصر الله)، والسيد هاشم (صفي الدين)، و(إسماعيل) هنية، وتفجيرات البيجر... وصولاً إلى سقوط سوريا، وفي الخطوة الأخيرة، الهجوم على إيران.
تكمن أهمية اغتيال رئيسي في أنه حوّل إيران وجبهة المقاومة من جبهة مواجهة متماسكة واستراتيجية، إلى مجموعة متشرذمة، قلقة، ومستنزفة في أزمات داخلية. لقد تعطلت منظومة التوجيه السياسي لديه، وأصيبت شبكة المقاومة بفوضى عارمة وضرر بالغ. وهذا هو تماماً ما أراده العدو، وقد أقدم على هذه الخطوة لعلمه المسبق بأن اغتيال رئيسي سيؤدي إلى مثل هذه التداعيات؛ تلاعب بالمسار العام لمحور المقاومة. وهو نفس الأمر الذي فعله سابقاً باغتيال واستشهاد الحاج قاسم (سليماني) وشاهد نتائجه.