فخ "تدويل" مضيق هرمز وتكرار سيناريو الاتفاق النووي (NPT)

في خضم السجال الدائر بين الموقف الهجومي للبرلمان (الذي مثّله خضريان) والنهج التكنوقراطي لوزارة الخارجية (الذي مثّله بقائي)، تكمن نقطة التحول الحقيقية في الشق الأول من تصريحات المتحدث باسم الخارجية؛ وتحديداً عندما تحدث عن تنظيم "بروتوكولات وآليات جديدة بالتنسيق مع سلطنة عُمان والجهات الدولية".
هذا التوجه يَدق ناقوس الخطر حول احتمال وقوع إيران في فخ قانوني جديد في مجال الملاحة البحرية.
1. الدرع الدفاعي لإيران: استراتيجية "التوقيع دون المصادقة" على اتفاقية 1982
إن المفتاح الذهبي الذي جنّب إيران الإدانات الدولية طوال العقود الأربعة الماضية هو عدم انضمامها الرسمي إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS 1982). فقد اكتفت طهران بالتوقيع على هذه المعاهدة دون المصادقة عليها في البرلمان. ووفقاً للقانون الدولي، فإن الدولة التي لم تصادق على معاهدة ما، ليست ملزمة بتطبيق بنودها.
هذا الوضع منح إيران اليد العليا في مواجهة الغرب من خلال نقطتين:
1⃣ رفض قاعدة "المرور العابر" (Transit Passage):
بموجب اتفاقية (UNCLOS)، يحق للسفن الحربية والغواصات الأجنبية (بما فيها الأمريكية) العبور بحرية تامة ومن دون إذن مسبق عبر المضايق الدولية، بل وتمر الغواصات وهي مغمورة تحت الماء. وإيران، لكونها ليست عضواً، لا تعترف بهذه القاعدة.
2⃣ التمسك بقاعدة "المرور البريء" (Innocent Passage):
تعتقد إيران أن وضع مضيق هرمز يخضع للقانون الدولي العرفي أو لاتفاقية جنيف الأقدم (1958). وبناءً على هذه القاعدة، يحق لإيران، بصفتها الدولة الساحلية، أن تمنع بشكل قاطع عبور أي سفينة أو غواصة معادية إذا رأت في ذلك مساساً بأمنها وسلّمها.
لماذا لم تتم إدانة إيران قانونياً حتى الآن؟
عندما تقوم القوات العسكرية الإيرانية باحتجاز سفن مخالفة في مضيق هرمز أو اعتراض سفن حربية أمريكية، لا تستطيع واشنطن وحلفاؤها إدانة إيران في محكمة العدل الدولية (ICJ) أو مجلس الأمن بتهمة "انتهاك قانون البحار"؛ لأن إيران ببساطة ليست جزءاً من هذا النظام الحقوقي.
هذا الفراغ القانوني الرسمي شكّل أكبر درع دفاعي لطهران في وجه الضغوط القانونية الغربية.
2. تداعيات الدخول في بروتوكولات جديدة في نيويورك
إن إصرار وزارة الخارجية على الصيغ الدبلوماسية والقبول بأي "بروتوكول جديد" يعني التخلي الطوعي عن هذا الدرع الدفاعي، وهو ما سيؤدي إلى التداعيات الاستراتيجية التالية:
🔸 نزع السلاح القانوني وشرعنة تحركات الخصوم:
الدخول في أي آلية مكتوبة وموثقة دولياً يعني أن إيران قد قيدت سيادتها على المضيق طوعاً ضمن القواعد العالمية. ومنذ تلك اللحظة، إذا أرادت إيران استخدام ورقة المضيق للرد على العقوبات أو التهديدات، فلن يُنظر إلى خطوتها كـ "دفاع مشروع"، بل كـ "انتهاك صارخ للمعاهدة".
هذا التحول سيمنح الغرب الذريعة القانونية الجاهزة لإصدار قرارات ملزمة في مجلس الأمن، بل وشرعنة المواجهة العسكرية.
🔹تضييق الخناق الميداني على الجيش والحرس الثوري:
لقد حافظت القوات المسلحة الإيرانية حتى الآن على اقتدارها الميداني في الخليج بالاعتماد على هذا "الغموض القانوني".
أما القبول بلوائح وبروتوكولات دولية، فسيجعل أي إجراء رقابي أو رادع للجيش والحرس الثوري مشروطاً بموافقة جهات رقابية دولية، مما سيكبل قدراتهم العملياتية في أهم ممر مائي في العالم.
🔸 القبول بالرقابة الدولية (إعادة إنتاج سيناريو NPT):
إن إشارة بقائي إلى "تغطية تكاليف أمن الملاحة والبيئة بدعم من الجهات الدولية"، رغم غطائها الاقتصادي، تحمل في باطنها فخاً كبيراً.
فدخول التمويل والرقابة الدولية يعني نشر مفتشين، كاميرات، وأنظمة تتبع عالمية في مياه الخليج؛ وهو تماماً تكرار لسيناريو الرقابة الصارمة للوكالة الدولية للطاقة الذرية (في قالب معاهدة NPT)، لكن هذه المرة سيستهدف الإشراف الاستخباراتي والعسكري لإيران على مضيق هرمز.
الخلاصة
أظهر رد بقائي على خضريان أن وزارة الخارجية لا تضع الحفاظ على "أوراق الردع التقليدية" لإيران في مقدمة أولوياتها.
والحقيقة هي أن أي توقيع على مذكرات تفاهم أو بروتوكولات دولية في نيويورك، سيحول اليد العليا واللامتماثلة لإيران في مضيق هرمز إلى مجرد تعهد ورقي؛ خطوة ستكون محصلتها النهائية نزع السلاح الاستراتيجى للجمهورية الإسلامية أمام تحالف مشترك يضم أمريكا والصين ودول الخليج.