وحـل الجنوب: حينما يعجز التدمير الممنهج عن حجب الهزيمة الإستراتيجية

تكشف التسريبات الأخيرة الصادرة عن ضباط كبار في جيش الاحتلال الإسرائيلي، والتي نقلتها صحيفتا "إسرائيل هيوم" و"هآرتس"، عن شرخ بنيوي عميق يزداد اتساعاً بين الطموحات السياسية للمستوى الحاكم في تل أبيب وبين الواقع الميداني القاسي على الجبهة الشمالية. حيث يعترف قادة الميدان علانية بعدم جدوى البقاء في جنوب لبنان، مؤكدين أن الجيش لا يحقق أي إنجازات حقيقية في هذه الحرب بشكلها الحالي.
هذا العجز التكتيكي تترجمه معطيات ميدانية ملموسة؛ إذ تشهد القرى الحدودية تراجعاً ملحوظاً في عمليات الجرف والتمشيط ضمن الخطة المسماة "عملية المحراث الفضي"، نتيجة الاستهداف المركز للجرافات العسكرية والدروع من قبل وحدات الدروع والأسلحة الموجهة التابعة للمقاومة. هذا الضغط الدقيق دفع شركات المقاولة الإسرائيلية الخاصة إلى سحب آلياتها وموظفيها ورفض المشاركة في العمليات خوفاً من الخسائر المادية والبشرية في بيئة قتال ساقطة عسكرياً، خاصة وأن تلك الشركات تتقاضى أرباحها بناءً على عدد المنازل التي يتم هدمها.
وفي ذات السياق، عبر ضباط يقاتلون على الخطوط الأمامية لصحيفة "هآرتس" عن إحباطهم الشديد من غياب أي رؤية إستراتيجية واضحة لدى القيادة العسكرية. وأكد هؤلاء أن مهمتهم الأساسية باتت تنحصر في هدم المنازل وتدمير الحجر، مشيرين إلى أن القيود التي فرضتها الإدارة الأمريكية والتحذيرات المباشرة من دونالد ترامب لنتنياهو بضرورة
"عدم إسقاط المباني لأنها تضر بصورة إسرائيل"
قد قلصت هوامش قصف بيروت والبقاع، مما دفع القوات لتفريغ غضبها وإحباطها عبر تدمير القرى الحدودية الواقعة ضمن ما يسمى "الخط الأصفر" (بعمق 10 كيلومترات جنوب نهر الليطاني).
وتأتي هذه الاعترافات بالتزامن مع إحصائيات برسم المجتمع الدولي؛ حيث أسفر العدوان المستمر منذ 2 آذار عن ارتقاء 2,534 شهيداً على الأقل وإصابة 7,863 آخرين، فضلاً عن تهجير ما يزيد عن 1.6 مليون مواطن (نحو خمس السكان). وعلى صعيد الدمار، أكد المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان أن نحو 40,000 وحدة سكنية تضررت أو دمرت بالكامل، في حين شهدت بعض الأيام ذروة تدميرية تجاوزت تدمير 1,000 منزل يومياً.
القراءة التحليلية والإستراتيجية
من الناحية الجيوسياسية، تعكس هذه الاعترافات سقوط مفهوم "الحسم العسكري" الذي حاولت حكومة بنيامين نتنياهو تسويقه للداخل الإسرائيلي. إن الآلة العسكرية للاحتلال، المصممة أساساً للحروب الخاطفة والهجومية، وجدت نفسها غارقة في حرب استنزاف طويلة الأمد على أرض وعرة لا تملك فيها تفوقاً ميدانياً، مما اضطرها للقبول بتمديد الهدن المؤقتة لـ 10 أيام ثم 45 يوماً دون أفق سياسي.
الخلاف المحتدم بين المستويين السياسي والعسكري يوضح أن الجيش يدرك تماماً كلفة المكوث في نقاط ميتة ومكشوفة استنزافياً ضمن المساحة المستحدثة، بينما تصر القيادة السياسية على مواصلة الاستعراض الإعلامي لتجنب المحاسبة الداخلية. كما أن انسحاب الشركات الخاصة يثبت أن خصخصة الجوانب اللوجستية والهندسية في الحروب تسقط فوراً عندما تتجاوز المخاطر الميدانية حسابات الربح والخسارة التجارية. علاوة على ذلك، فإن خضوع العمليات الميدانية لخطوط حمراء دولية وضغوط أمريكية يثبت أن قرار تل أبيب العسكري بات مقيداً بشكل يمنعها من تحقيق أي معادلة ردع جديدة.
منظور محور المقاومة
من منظور محور المقاومة، لا تبدو هذه التسريبات مجرد مظاهر للتعب، بل هي مؤشرات دقيقة على نجاح الإستراتيجية الدفاعية والردعية الإيجابية. الميدان فرض نفسه كعامل أساسي في صياغة المشهد وتفكيك أهداف الاحتلال في محاور إستراتيجية مثل الخيام، بنت جبيل، والبياضة.
من خلال التركيز على تدمير الأصول الفنية والهندسية للاحتلال (مثل جرافات D9 المحصنة)، نجحت المقاومة في حرمان العدو من إنشاء "المنطقة العازلة" والآمنة التي يطمح إليها. لقد تحولت جغرافيا الجنوب إلى مصيدة استنزاف يومي تستنزف رصيد النخبة في جيش العدو. كما أن الاعتماد الإستراتيجي على سلاح المسيّرات الانقضاضية المزدوجة أثبت قدرته المستمرة على اختراق منظومات الدفاع الجوي المتعددة، مما جعل الخطوط الخلفية ومراكز القيادة الإسرائيلية تحت التهديد الدائم، واضعاً قوات الاحتلال أمام خيارين:
إما البقاء في مواقع مكشوفة ودفع أثمان بشرية متصاعدة،
أو الانسحاب والاعتراف بالفشل.
أسئلة تحدي للقارئ
١- إذا كان الضباط الإسرائيليون في الميدان يقرون بعدم وجود أي جدوى إستراتيجية للبقاء في الجنوب، فلحساب من تُهدر دماء جنودهم في هذه المعركة المستمرة؟
٢-هل يشير انسحاب شركات المقاولات المدنية من دعم العمليات العسكرية إلى أن الكلفة الاقتصادية للحرب بدأت تتجاوز قدرة الاحتلال على التحمل؟
٣- هل يمكن لجيش يعترف ضباطه بأنهم يدمرون القرى لمجرد "تفريغ الغضب" والإحباط أن يصنع نصراً عسكرياً، أم أنه يعيش مأزقاً نفسياً وعملياتياً يمهد لانكساره الإستراتيجي؟
#جنوبلبنان #محورالمقاومة #الاستنزافالصهيوني #جيشالاحتلال #الإحباطالعسكري #التحليلالسياسي #عمليةالمحراثالفضي
#المراقب